«الأوس» والمهاجرون

هل تبنت قبيلة «الأوس» موقفاً متذبذباً أو متقلباً من النبي، صلى الله عليه وسلم، حين هاجر إلى المدينة المنورة.. وهل تعامل النبي مع أفراد هذه القبيلة بقدر أعلى من الحذر مقارنة بأسلوب تعامله مع قبيلة الخزرج؟ أو بعبارة أخرى: هل كان النبي أكثر اطمئناناً للخزرج من الأوس بعد أن استقر به المقام في المدينة؟


لو نظرنا إلى التركيبة الديموجرافية لسكان المدينة قبل هجرة النبي، فسوف نجد أنها كانت تؤوى بين ربوعها كلاً من: العرب من قبيلتى الأوس والخزرج، بالإضافة إلى اليهود، وكان عدد السكان العرب يزيد على عدد اليهود بصورة ملحوظة، في حين تفوقت أعداد العرب من قبيلة الخزرج على أعداد العرب من قبيلة الأوس بصورة واضحة.

كان الخزرج هم الأكثر عدداً وعدة وثراء، وفي حين كان اليهود يشكلون أقلية قياساً إلى السكان العرب داخل المدينة المنورة، كان الأوس يشكلون أقلية قياساً إلى العرب من الخزرج، ولو أنك راجعت عدد كل من الأوس والخزرج في تركيبة وفد العقبة الأولى والثانية فسوف تلاحظ التفوق الواضح للخزرج، فوفد العقبة الأولى تكون من 12 رجلاً، منهم 10 من الخزرج و2 من الأوس، ووفد العقبة الثانية تشكل من 73 رجلاً وامرأتان، منهم 62 من الخزرج و11 من الأوس، وبناء على ذلك كان عدد النقباء الذين عينهم النبي من الخزرج 9 ومن الأوس 3.


ولا أجدنى بحاجة إلى تذكيرك بحالة التنافس بين الأوس والخزرج قبل هجرة النبي إلى المدينة، وهو التنافس الذى كان يأخذ شكل الصراع القتالى في الكثير من الأحيان، وكان اليهود يلعبون دوراً في تغذية هذا الصراع، ويستفيدون منه كأقلية لها مصالحها الاقتصادية والتجارية الكبيرة، التي لم يكن العرب يلتفتون إليها بسبب انصرافهم إلى صراعاتهم وحالة الاقتتال الداخلى التي كانت تسيطر عليهم. وعندما هاجر النبي، صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، كان أول ما فعله هو ترميم العلاقة بين الأوس والخزرج، وأصبح وصف «الأنصار» هو البديل الموضوعى لتلك التقسيمة القبلية التي تصنفهم إلى أوس وخزرج، وآخى النبي أيضاً بين المهاجرين والأنصار، وأصبح وصف المسلمين هو البديل الموضوعى لتلك التقسيمة بين المهاجرين والأنصار، وصرف طاقة المسلمين كاملة إلى مواجهة المشركين من عرب الجزيرة العربية، وخصوصاً عرب مكة وبالإضافة إلى ذلك كتب النبي عهداً بينه المسلمين واليهود بالمدينة، تحددت فيه حقوق وواجبات كل طرف منهما، حتى يعيشا معاً في سلام.


كانت الخلافات القديمة بين أطراف التركيبة السكانية لأهل المدينة تطل من حين إلى آخر، مثل الخلافات بين العرب واليهود، وأحياناً ما كانت تقع خلافات بسيطة بين المهاجرين والأنصار وكان النبي يبادر إلى احتوائها، وظلت العلاقات بين هذين الطرفين هادئة ومستقرة إلى حد كبير حتى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث بدأت تأخذ منحى مختلفاً. العجيب أن اختلافات المواقف التي كانت أسرع إلى الظهور حدثت بين الأوس والخزرج، ويبدو أن بعض أهل المدينة من الأوس كانوا يرون أن النبي يميل أكثر إلى الخزرج، خصوصاً ذلك الحي المسمى بـ«حي بني عمرو بن عوف».