أيام في بلفاست (6)

في اليوم التالي لوجودنا في بلفاست انضم إلينا أصدقاء «مارك»، وحين طلبت منهم تحديد ما يأكلونه، وأنهم ضيوفي، نظروا إلىَّ مندهشين، وكنت أعرف سبب دهشتهم، فهم اعتادوا على أن يدفع كل منهم ثمن ما يأكله، وهي عادة نطلق عليها نحن المصريين «حساب إنجليزي». شرحت لهم أن تقاليدنا الشرقية مختلفة، فنظروا إلى ابنتي فأومأت لهم مقرة ما نطقته. أكلوا غير مصدقين حتى وجدوني أدفع الحساب كاملاً بعد أن انتهينا من طعامنا. ذهبنا جميعاً بعد الغداء إلى متحف تايتانك المستقر فى الموقع التاريخي لأحواض بناء السفن. كان علينا أن ننعطف يميناً بعد المطعم ونمضي فى شارع عريض يسلمنا إلى جسر يعتلي خليجاً ضيقاً ينتهي إلى ساحة واسعة، يحط على طرفها مبنى المتحف مهيباً حافلاً بالذكريات. مبنى ضخم مكون من طوابق ستة، له واجهة خارجية مكسوة بألواح من الألومنيوم، كي تعكس شكل مقدمة سفينة الأحلام «آر. إم. إس. تايتانك»، وجبل الجليد الذي اصطدمت به.

يضم هذا المبنى تسعة معارض تفاعلية تروي قصة السفينة كاملة، من مرحلة البناء حتى نهاية الرحلة التعيسة في أبريل 1912، دون إهمال الإتيان على ذكر حال مدينة بلفاست في مستهل القرن العشرين كمركز رائد لهندسة السفن وصناعتها.

ومع عرض خرائط تاريخية، ورسومات هندسية أصلية من مكاتب شركة «هارلاند آند وولف»، لم أستطع مقاومة صور تتدفق إلى رأسي من الفيلم، ووجدت نفسي منشغلاً أكثر بخمسة مشاهد: العمال في الطابق السفلي يلقون الوقود إلى النار حتى تمضي السفينة في طريقها، والعائمون وسط الماء المثلج متشبثون بالحياة، وفرقة الموسيقى التي ظلت تعزف حتى الرمق الأخير، وجاك وروز وهما يقفان على مقدمة السفينة يفردان أذرعهما في وجه البحر والخلاء، والقبطان الذي جلس مكانه ولم يهرب منتظراً الموت في رضاء.

ولأن المتحف في بلفاست كان من الطبيعي أن تكون هناك ميزة لصناع السفينة، فحين ركبنا عربة كهربائية متحركة فوق حوض بناء السفن، سمعنا بصوت عامل محاكاة حية لموقع البناء، مصحوبة بأصوات طرق على المعادن، ولفحتنا حرارة، وهبت علينا روائح تنبعث من الأخشاب والقار والنار. ورأينا مجسماً حديدياً يمثل ربع الرافعة الأصلية التي اُستخدمت فى البناء.

صُمم المتحف ليجعلك تعيش الأجواء كلها، وكأنك كنت معهم في هذه الأيام التي انتقلت فجأة من الهناء إلى الشقاء. أسماء الراحلين تتوالى على شاشة. عندها قفز في رأسي سؤال: هل أحد منا يتذكر أسماء ضحايا العبارة المصرية «السلام» التي غرقت فى مياه البحر الأحمر في ليلة قاسية من شهر فبراير عام 2006، فمات أكثر من ألف شخص؟

كل محتويات تايتانك معروضة كما كانت، كبائن تحوي أسرة وثيرة لعلية القوم أو الدرجة الأولى الفاخرة، وأخرى متوسطة لمساتير الناس، حيث الدرجة الثانية، وثالثة بسيطة لبسطائهم. الآلات الموسيقية، وقمرة القيادة، وألواح الخشب المتينة والحبال والمسامير الضخمة، والمقاعد وطاولات الطعام، وأكواب الشاي والقهوة، وكؤوس الخمر، وأدوات الزينة التي كانت النساء تستعملنها. وواجهات عرض لأندر القطع الأثرية الأصلية المنتشلة، مثل، ساعات جيب معطلة، ورسائل بخط اليد، ومعطف الفرو الخاص بالمضيفة مابل بينيت.

وفوق الأشياء المادية المتاحة هناك شاشة تعرض صوراً فوتوغرافية أصلية لتايتانك الحقيقية، التقطها الأب «فرنسيس براون» الذي كان من بين المسافرين على متنها، وليست تلك التي أطلقها مخرج الفيلم الشهير. مشاهد لأولئك الذين وقفوا أمام السفينة العملاقة فى انتظار الركوب فى رحلة قادتهم إلى الكارثة، تختلط بأخرى فى قاعة تعرض، عبر شاشات رقمية تفاعلية ومجسمات، كيف صورت السينما والأدب والأساطير الشعبية، وتسرد جانباً من تاريخ استكشاف الحطام.

بالطبع أضاف الأدب والسينما والقرائح الشعبية إلى القصة الحقيقية الكثير، عبر خيال انطلق حول هذا الحادث المأساوي، وأدركت وأنا أنصت إلى الحقائق كم كان مؤلف الفيلم بارعاً باختلاق قصة الحب الأسطورية بين الشاب المغامر الفقير «جاك» و«روز» الملتحقة بالطبقة الأرستقراطية، وهي علاقة خففت من الإتيان سينمائياً على هذه الكارثة.

وأنا أطالع المشاهد والصور تاه ذهني لتأتي المماثلة عبر السينما، لكن الواقع القديم غلب على أي حال، إذ كان الطقس كله مفعماً بشفقة وحنين تغلبَّا على أي شرود فى مضاهاة، تبدو لا معنى لها، بين ما عرضته شاشة السينما وبين تفاصيل أشياء مستمدة من الواقع، ومعها الصور، وفى كل الحالات تلك المعاني التي امتلأت بها عيون رواد، أتوا مثلنا كي يعرفوا أكثر عن هذا الحادث المأساوي الأليم.

عشنا الأجواء نفسها تقريباً من خلال زيارة كهف ثلاثي الأبعاد، وهو عرض رقمي انغماسي بزاوية 360 درجة أخذنا فى جولة افتراضية عبر غرف المحركات، والسطح، والدرج الكبير للسفينة، كذلك القاعة التي تحاكي سطح السفينة الخشبي، حيث توجد مقاعد مماثلة لتلك التي كانت على متنها، فضلاً عن وثائق وسجلات التحقيقات الرسمية البريطانية والأمريكية التي جرت عقب الحادثة مباشرة.

لكن الاندماج الأكبر مع هذا الحدث جاء فى قاعة تستخدم إضاءة خافتة ومؤثرات صوتية لنداءات الاستغاثة التي أطلقها البحارة والركاب، وكذلك مع الشاشة التي تسرد اللحظات الأخيرة لغرق السفينة، وتحوي تسجيلات صوتية لشهادات حية للناجين.