قرار مفاجئ لـ«النبي»
قبل وصول النبي إلى المدينة المنورة كان المسلمون من أهلها يخرجون كل يوم إلى أطرافها يستطلعون قدومه، ويظلون على هذا النحو حتى تضربهم الشمس بحرارتها فيعودون إلى بيوتهم، ويوم وصوله، صلى الله عليه وسلم، كانوا قد خرجوا كما تعودوا ثم رجعوا بعد أن اشتدت شمس الظهيرة، وبينما هم عائدون إذا بيهودي يصرخ من فوق نخلة عالية: يا معشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون. دخل رسول الله المدينة ونزل بمنطقة «قباء»، التي تقع في واحد من أكبر أحياء قبيلة الأوس، وهو حي «بني عمرو بن عوف». التحق النبي بمنزل واحد من كبار أبناء هذا الحي من الأوس وهو كلثوم بن الهدم. كان «كلثوم الأوسي» -كما يصف «ابن سعد في طبقاته- شيخاً كبيراً شريفاً ورجلاً صالحاً أسلم قبل مقدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المدينة، واختار النبي للقاءات التي يعقدها مع المسلمين منزل سعد بن خيثمة، وكان يسمى منزل العزاب، لأن سعداً لم يكن متزوجاً.
كل الشواهد كانت تقول إن النبي، صلى الله عليه وسلم، سوف يستقر بهذا الحي من الأوس، خصوصاً بعد أن بادر منذ وصوله إلى بناء مسجد «قباء»، الذي يعد أول مسجد في الإسلام، لكنه قرر فجأة ترك المكان والخروج من هذا المربع الأوسي إلى حي جديد ينتمي إلى قبيلة «الخزرج». يقول «ابن كثير» في «البداية والنهاية»: «فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس وأسس مسجده، ثم أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة، وبنو عمرو ابن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك، وقال عبدالله بن إدريس عن محمد بن اسحاق قال: وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه عليه السلام أقام فيهم ثماني عشرة ليلة».
لا تذكر كتب السيرة سبباً لهذا القرار المفاجئ الذي اتخذه النبي بالتحرك من حي الأوس إلى حي الخزرج، سوى أن «الله أخرجه»، لكن يبقى أن النبي عند وصوله إلى المدينة لم يكن لديه خبرة كافية بأهلها وأحيائها، ويبدو أنه قرر الانتقال للعيش في أحد أحياء الخزرج، الذين يمثلون أغلبية السكان العرب، ويزيد عددهم زيادة ملحوظة عن عدد الأوس، واختار حياً محدداً من أحياء الخزرج ليبني فيه داره ومسجده كما سأوضح لك، وقد أحزن هذا القرار الأوس حزناً كبيراً، وكان لهم عليه ردة فعل سوف تظهر في العديد من المواقف التي بانوا فيها مذبذبين غير حاسمين في توجهاتهم وقراراتهم.
بعد عدة أيام من نزوله في حي بني عمرو بن عوف الذي يعيش فيه أغلبية الأوس، كان المشهد الأشهر في الأيام الأولى لهجرة النبي إلى المدينة، حين امتطى، عليه الصلاة والسلام، ظهر راحلته وسار يمشي معه الناس، حتى بركت في مربد للتمر (أرض واسعة يتم تجفيف التمر فيها) مملوك لسهيل وسهل، وهما غلامان يتيمان بالمدينة في حجر (أي في كفالة) أسعد بن زرارة (الخزرجي)، فقال رسول الله حين بركت به راحلته: هذا إن شاء الله المنزل، ثم دعا الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجداً.
بنى النبي، صلى الله عليه وسلم، مسجده النبوي وكذلك حجرات نسائه في حي «بني النجار» من قبيلة الخزرج، وبنو النجار هم أخوال عبدالله بن عبدالمطلب والد النبي. فهل أشعر هذا الاختيار الأوس -من أهل المدينة- أن رسول الله رأى أن الخزرج أقرب إليه منهم، بدليل أنه تركهم بعد -أيام قليلة- من نزوله بحيهم وأقام بأحد دورهم وبنى مسجده فيه؟