محمود مرزوق يكتب: الأشرف برسباي.. محتكر التوابل
محمود مرزوق يكتب: الأشرف برسباي.. محتكر التوابل
شارع الحمزاوي الصغير شارع متفرع من شارع المعز لدين الله الفاطمي؛ أول ما يتركه هذا الشارع في نفس زائريه تلك الرائحة النفاذة لمزيجٍ من التوابل والبهارات. ولا عجب، فالشارع العريق هو المركز الرئيسي لتجارة التوابل في القاهرة، وبه تتجاور محال بيع شتى منتجات العطارة منذ قرون طويلة؛ وتحديداً منذ عصر السلطان المملوكي الأشرف برسباي، أحد أبرز سلاطين المماليك الجراكسة في القرن الخامس عشر الميلادي. وعند مدخل شارع الحمزاوى يهيمن على المشهد مسجد الأشرف برسباي بمعماره الفريد، شاهداً على حقبة تاريخية فاصلة، قدَّم فيها السلطان برسباي مثالاً على الدهاء السياسي والاقتصادي. تولى برسباي حكم مصر والشام عام 1422م، وسرعان ما أدرك أن القوة لا تُستمد من السيوف والجيوش فحسب، بل من التحكم في شرايين التجارة العالمية، فحوَّل مصر إلى مركز ثقل اقتصادي هام.
كان هيكل اقتصاد دولة المماليك يعتمد على نشاط الوساطة التجارية أو ما يُعرف بلغة العصر بتجارة الترانزيت. تطلَّع برسباي لتعزيز مكانة مصر الاقتصادية ليضيف مصدراً جديداً لخزينة الدولة، ووجد ضالته في التوابل -التي كانت عصب الحياة في أوروبا وضرورة لا غنى عنها لحفظ الطعام وتجاوز برودة الشتاء- وفي خطوة جريئة، أعلن السلطان احتكار الدولة الكامل لتجارة التوابل، فأنشأ وكالات تابعة للخزانة الخاصة، وألزم التجار -بمن فيهم تجار مدينة البندقية الإيطالية الذين كانوا سادة التجارة البحرية- بالشراء بأسعار يحددها هو وحده. مستهدفاً تعزيز قوة الدولة وهيبتها، نجحت هذه السياسة الاحتكارية في ضخ موارد مالية هائلة لخزانة المماليك، غير أنها كانت سبباً مباشراً لبحث القوى الأوروبية عن مسارات وطرق تجارية بديلة، وتم لهم ما أرادوا عندما اكتشف البرتغاليون طريق رأس الرجاء الصالح، مما أدى في النهاية إلى انهيار ذلك الصرح التجاري الذي ظن برسباي أنه محصَّن ضد الزمن، وكان لتحول طرق التجارة آثاره المباشرة على اقتصاد الدولة المملوكية الذي ترنح سريعاً عقب هذه الضربة الموجعة.
لم يتوقف طموح برسباي عند الاقتصاد، بل امتد ليتجاوز حدود الدولة تأميناً لمجالها الحيوي؛ فقد كانت قبرص في ذلك الوقت تمثل «قاعدة عمليات» للقراصنة الذين ينهبون السفن التجارية المصرية ويستنزفون موارد الدولة. أعد السلطان ثلاث حملات عسكرية، كانت أكثرها حزماً تلك التي انطلقت عام 1426م؛ كانت هذه الحملة بمثابة تحرك لحماية الأمن القومي، استهدف تأمين الملاحة وحماية الاقتصاد. انتهت الحملة بنجاح، حيث سقطت قبرص في قبضة المماليك، واقتيد ملكها «جانوس دو لوزينيان» أسيراً إلى القاهرة، ولم يُطلق سراحه إلا بعد أن أذعن لشروط السلطان، ودفع فدية ضخمة، وأقر بتبعية قبرص ودفع جزية سنوية، مما رسخ صورة المماليك كقوة إقليمية ضاربة لا تُقهر. وأمام مدرسة برسباي، وُضعت خوذة الملك القبرصي معلقة كتذكار لهذا النصر المؤزر.
وهكذا، يظل الأشرف برسباي نموذجاً للسلطان الذي أدرك مبكراً أن الاقتصاد هو ركيزة الحكم؛ فبين طموحه في السيطرة على تجارة التوابل العالمية وتأمين حدود الدولة عبر ضم قبرص، رسم ملامح عصرٍ اتسم بالقوة والمركزية. ورغم أن سياساته الاحتكارية قد ساهمت في الإسراع من وتيرة البحث عن طرق بديلة غيَّرت وجه التاريخ، إلا أن إرثه المعماري والتاريخي لا يزال شاهداً على ذكاء رجلٍ حاول تطويع الجغرافيا والسياسة لصالح دولته، تاركاً لنا في قلب القاهرة القديمة قصة تمتزج فيها رائحة البهارات بعبق التاريخ المملوكي الذي لا يغيب.