أيام في بلفاست (7)

فى بلفاست زُرت كذلك المتحف الوطنى المعروف باسم متحف أولستر، الذى تم افتتاحه عام 1972، وهو يقع بحى الكوينز جنوبى المدينة، داخل حدائق نباتية، وبجوار جامعة كوينز بلفاست. بان المتحف أمامنا تحفة معمارية، فهو مبنى يجمع بين هيئة كلاسيكية من تلك التى عُرفت بها بلفاست مع الربع الأول من القرن العشرين، وامتداد خرسانى حديث مصمّم على الطراز الوحشى (Brutalist architecture).

المبنى مطروح فى خمسة طوابق على مساحة هائلة تبلغ ثمانية آلاف متر مربع، يحوى تاريخ المنطقة وثقافتها، حيث التاريخ السياسى والاجتماعى، والأفكار والطقوس الخاصة بالحياة والموت، وتاريخ الفن والعلوم الطبيعية، والآثار، منذ الزمن القديم وحتى العصر الحديث.

وفى قسم العلوم الطبيعية والجيولوجيا رأينا هيكلاً عظمياً حقيقياً لديناصور طوله ستة أمتار، وقوالب بالحجم الطبيعى لديناصور آخر، ومجموعة من حيوانات محنّطة، وأحافير لحيوانات منقرضة مثل الأيل الأيرلندى العملاق، بقرونه الضخمة، ومجسم لدب قطبى عملاق، فضلاً عن عينات من النيازك الفضائية. وتتخلل كل هذا معارض تفاعلية تتيح للزوار عبر شاشات ذكية وألعاب تعليمية، استكشاف جوانب مهمة للكائنات الحية ومضمون مادة العلوم، بمجرد لمس الشاشة.

وفى الفنون والأزياء رأينا لوحات ومنحوتات فى غرف عرض هادئة الإضاءة، تضم لوحات فنية وتاريخية مهمة لفنانين أيرلنديين وعالميين من عصر النهضة وحتى الفن المعاصر، إلى جانب منحوتات ومصنوعات خزفية دقيقة، وهناك لوحة للشاعر الأيرلندى الشهير «سيموس هينى» الحائز على جائزة نوبل فى الآداب تقول: «سِر على الهواء، ضداً على حكمك الأفضل».

وهناك معارض دورية مخصّصة لتاريخ الأزياء والمنسوجات الأيرلندية، حيث توجد أنواع من ملابس ملكية، وفساتين سهرة كلاسيكية، وأقمشة الكتان الأيرلندى الشهير التى تظهر تطور صناعة الموضة والنسيج، وتطورها عبر القرون.

وتوجد سجادة تحمل اسم المسلسل التليفزيونى الشهير «صراع العروش»، وهى قطعة فنية فريدة، عبارة عن نسيج مطرز يبلغ طوله 87 متراً، صُنعت بالكامل فى أيرلندا الشمالية لتوثّق أحداث ومواسم هذا المسلسل الذى صُوّرت أجزاء كبيرة منه فى الأماكن الجبلية والسهلية الخضراء المحيطة ببلفاست.

ولفت انتباهى وجود المومياء المصرية الشهيرة «تاكابوتى»، التى تعود لعام 660 قبل الميلاد. يُعرض بجانبها، فى قاعة خاصة، كفنها، وتوابيت خشبية منقوشة باللغة الهيروغليفية، وأوانٍ كانوبية، وتمائم نادرة جداً، فُحصت بأحدث تقنية للأشعة السينية، ابتغاء كشف طريقة حياتها.

وهناك الكنوز الذهبية المستردة من أسطول الأرمادا الإسبانى، الذى غزا إنجلترا، وغرقت منه السفينة الحربية جيرونا عام 1588 قبالة ساحل كاونتى أنتريم، فى قاعة هى الأكثر قيمة من الناحية المادية، حيث تعرض مشغولات الذهب والمجوهرات والعملات الذهبية والفضية، والأسلحة النارية التى تم انتشالها من هذه السفينة.

وتعرض أيضاً نسخة مطابقة لأكبر وأقدم صلبان سلتية حجرية فى أيرلندا. وأدوات حجرية أيضاً تعود إلى عصر ما قبل التاريخ عبارة عن فؤوس من الصوان، مع مشغولات ذهبية وبرونزية صنعها سكان أيرلندا الأوائل.

لكن ما توقفت عنده مليَّاً هو تلك القاعة المخصّصة لسرد تاريخ الصراع السياسى والدينى المسلح، منذ اندلاعه عام 1969 إلى مرحلة التسوية والسلام بعد الاتفاق الذى وقعته رئيسة وزراء بريطانيا مارجريت تاتشر فى يوم سُمى «الجمعة العظيمة»، تحت لافتة تقول: «يهدف هذا الجناح إلى توفير منصة للحوار والنقاش حول ماضينا القريب». ثم عبارة للمؤرخة البريطانية «لودميلا جوردانوفا» تقول: «التاريخ العام هو المكان الذى يمكننا فيه النظر فى وجه القضايا السياسية والأخلاقية والاجتماعية الأكثر صعوبة».

لهذا أتى السرد لا ينكأ الجراح إنما يضمدها، ويحتوى على مقتنيات تشير إلى الأثر المدمر للاحتراب الأهلى، مثل ملابس السجناء، وبزات عسكرية للقوات الأمنية، وصور لجمهور يتظاهر، وأخرى توثق الحياة اليومية تحت القصف والقتل والتدمير. ويحتمى كل هذا بعبارات أو نصوص مكتوبة بخطوط ظاهرة، تقتحم العيون اقتحاماً، حتى تجذب أبصار الزائرين، ويتعلمون منها شيئاً من روية وسكينة تحرص الأغلبية الكاسحة فى البلاد عليها.

من هذه العبارات:

«بينما نملك ماضياً مشتركاً، فإننا لا نملك ذاكرة مشتركة».

«القتلة لديهم اختيار، بينما ليس لضحاياهم أى فرصة».

«العنف له مصدر.. هذا المصدر هو الظلم.. العنف ثمرة لشجرة الظلم، والكراهية هى زهورها الشريرة.. إذا غرسنا بذور الظلم نحصد العنف.. إذا أردنا أن نقضى على العنف فعلينا أولاً الإجهاز على الظلم».