أين كنوز «كسرى»؟

في سنة 5 هجرية تعرضت المدينة المنورة لهجوم من جانب قبيلة قريش وحلفائها من الأحزاب، وفي مواجهته بادر المسلمون إلى حفر الخندق الذى أحاط بالمدينة، وقام المشركون بحصاره دون أن يتمكنوا من اختراقه والإطباق على المسلمين الذين تحلَّقوا حول تخوم المدينة.

خلال أحداث غزوة الخندق هذه تمتع عدد من رجال الأوس، وخصوصاً من حي «بني عمرو بن عوف» بظهور خاص، يمنحك مؤشراً على تذبذب مواقفهم، واهتزازهم وعدم قدرتهم على تحمّل الضغوط، وانطلاق ألسنتهم بما لا يصح.


وصلت أخبار إلى النبى والمسلمين، وهم يتحلقون حول الخندق، بأن يهود بني قريظة قد نقضوا عهدهم معه ومزقوا الصحيفة التي كان فيها العهد بينه وبينهم. أرسل النبى وفداً للتحقق من هذا الأمر، جعل على رأسه سعد بن عبادة سيد الخزرج، وسعد بن معاذ سيد الخزرج، وقد دخل الاثنان حصون بني قريظة فدعوهما إلى الموادعة وتجديد الحلف، فقالوا: الآن وقد كسر جناحنا وأخرج بني النضير؟ ولم يكتفوا بذلك بل نالوا من النبى صلى الله عليه وسلم فشتمهم سعد بن عبادة، فدخل سعد بن معاذ في الحوار وقال لليهود: إنكم قد علمتم الذى بيننا وبينكم يا بني قريظة، وأنا خائف عليكم مثل يوم بني النضير أو أمَرّ منه.


لقد حاول سعد بن معاذ التلميح لليهود بالتحالفات التاريخية بين الأوس وبينهم، وأكد لهم أنه يصدقهم القول والنصح، لكنهم رفضوا كلامه وسبوه، وظل وفد النبى يشاتم اليهود واليهود يشتمون دون الوصول إلى شىء. عاد الوفد إلى النبى فأخبروه بالنتيجة بشكل غير مباشر، فتغطى النبى بثوبه واضطجع، وطالت فترة اضطجاعه حتى استنتج المسلمون أن بني قريظة غدروا فعلاً، اشتد خوف الناس على نسائهم وصغارهم وما لهم داخل المدينة، وخشوا أن يهجم عليهم اليهود وهم يقفون هاهنا بعيداً في مواجهة المشركين.


كثر في معسكر المسلمين القيل والقال، وكان أول من أطلق شرارة الكلام رجل من الأوس من بني عمرو بن عوف وهو معتب بن قشير فأخذ يقول ساخراً: «كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط!».


وقد يكون من المفيد أن أذكر لك أن معتب بن قشير هذا كان من ضمن 12 رجلاً تواطأوا على بناء مسجد ضرار سنة 9 هجرية. ومع «معتب» علا أيضاً صوت أوس بن قيظى (من قبيلة الأوس) وقال: يا رسول الله إن بيوتنا عورة من العدو، وذلك عن ملأ من رجال قومه، فأذن لهم أن يرجعوا إلى دارهم. هؤلاء وأمثالهم المرادون بقوله تعالى: «وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِىَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا».


مما سبق يتضح لك أن الفتنة التي كادت تقع خلال أحداث غزوة الخندق، كان وراءها رجال من الأوس الذين ظهروا مذبذبين متقلبين، أثاروا الذعر في نفوس غيرهم من المسلمين، وكانوا يريدون الفرار من المعركة، والعودة إلى المدينة، بحجة أن بيوتهم عورة. وقد فضحهم القرآن الكريم.