ليلاتي في الميعاد ده
تمر أيام يونيو ثقيلة، لا يبدو اليوم الواحد 24 ساعة فقط، يبدو كفجوة زمنية تبتلع أزمنة وأحداثاً ومواقف وأشخاصاً، خاصة لمن عاش ثورة يونيو بكل فصولها، وعاش مشاعرها بكل تطوراتها، من الخوف للثقة لليقين للصدمة للرعب للترويع للانتصار.
وما يستجد فى خانة المشاعر التى تحملها الذكريات قبل 13 عاماً، إذ إن الإخوان وفصائلهم المختلفة لم يكتفوا بما ارتكبوه فى يونيو 2013، بل زادوا عليه -فى الأعوام التى لحقته ومع كل يونيو- بعنف يضاف إلى رصيدهم الدموى، فيزيد سواد صفحتهم، ويثقل كاهل الشهر بأكثر مما يحتمله العقل والقلب معاً، بحيث إذا نظرت للشهر برمته وجدته رمزاً لحدث تغيرت بسببه صفحة مصر، وإذا نظرت له يوماً بيوم وجدته أرشيفاً عصياً على الحصر، يحمل ختماً مميزاً وتفسيراً لكل ما يدفع المصرى الحقيقى إلى أن يكره الإخوان ويلعن كل أيامهم على أرض مصر.
صدقاً.. نحن لم ننسَ، ولا يمكن أن ننسى كل ما مر بنا هناك، حين تلاعبوا بالمصريين واتكأوا على جراح يناير، ملأوا يونيو 2013 بأفعالهم وجرائمهم، وصار المصريون عاماً بعد عام يجترون فى هذا الشهر أحزاناً عدة، زادت فى الأعوام التى أعقبت ثورة يونيو باستمرار جرائم الإخوان عرضاً مستمراً، قبل أن تخفت الأحزان وتتبدد مع الملاحقة المستمرة للتنظيم، فتصير الجرائم ماضياً، لا يعيه إلا من عاشه واكتوى به، ويصير الحديث عنها ضرباً من ضروب الكآبة، وليس رصداً لما كان وآهل لما نحن فيه الآن.. فهل نحتاج هذا الرصد وهذه الكآبة بعد 13 عاماً من الثورة؟
قد نحتاج الرصد، لكننا حقاً لا نحتاج الكآبة، خاصة وأن يونيو تزاحمه الآن إرادة جديدة، تخلق تاريخاً مختلفاً مرتبطاً بالإنجازات، فالشهر الذى ارتبط بالعنف والرعب والدماء والدمار، خاف فيه المصريون كثيراً على مصرهم، وشدت آمال ماهر رائعتها المحركة للهمم «مصر شالت فوق كتافها يرضى مين؟»، هو نفسه الشهر الذى نحتفل فيه بالإنجازات الحقيقية والافتتاحات والمشروعات القومية، وهذا العام يزيد عليه أن الوجوه تتزين بألوان العلم المصرى وترفع فيه الأيدى الأعلام ويرتاد المواطنون من فئات مختلفة أسرع وأحدث وسيلة مواصلات توفرها الدولة بالمجان للذهاب إلى العاصمة الإدارية الجديدة حيث مناطق شاسعة مفتوحة للترفيه المجانى ومتابعة مباريات كأس العالم وتشجيع المنتخب الوطنى، فى العاصمة التى لم تكلف الموازنة العامة للدولة مليماً، وشهدت الانطلاق نحو الجمهورية الجديدة التى خاض من أجلها المصريون تحدى 30 يونيو.
هكذا يسير التشابك، ولا تنفض العلاقة، بل يؤدى بعضها إلى كلها والعكس، نتذكر الشهداء ونعظم دماءهم فى حرب الأخونة التى استهدفت مفاصل الدولة، ونغرس فى المواقع التى سقطت فيها أجسادهم وارتقت فيها أرواحهم نبتة الحياة الجديدة، بحيث لا ننسى الثأر، ولا نغفل الحياة، يتزاحم فى نتائج البحث عن أحداث 15 يونيو من كل عام -كمثال فقط- كل جرائم الإخوان المعلقة فى رقابهم، كل تضحيات الشهداء الخالدة فى ذكراهم، وكل جهد يبذل يوماً بعد يوم لخلق ذكريات سعيدة وواقع تنيره الشمس ويمهد لمستقبل مختلف، بحيث إذا اندس أحدهم فى غمار المحتفلين المشجعين وجد من بينهم من يوقفه عند حدوده، يقول له بملء الفم «قف مكانك.. أنت خارج حدود هذا الوطن».. وجد من يذكر له جرائمه ولا ينخدع بكلماته ولا مظلوميته.
.. وعليه، سيزيح يونيو بعضاً من سواد ذكرياته، التى صنعها الإخوان فى عامهم المنقوص، لن يحركها من مكانها ستظل تاريخاً شاهداً عليهم حتى لو حاولوا تزييفه أو لاحقوه عبر محركات البحث أو أدخلوا عليه أكاذيبهم لصنع مظلومية جديدة تتشابه ومظلومية البنا.. سيفرد يونيو صفحات موازية تمتلئ بالإنجازات، نقاط بيضاء تزيد فى الثوب، وتصنع تاريخاً موازياً للشهر ترتفع فيه راية «تحيا مصر».