المستشار أحمد بركات يكتب: الهجرة النبوية وقوانين صناعة الأمم
المستشار أحمد بركات يكتب: الهجرة النبوية وقوانين صناعة الأمم
ليست الهجرة النبوية مجرد حدث ديني أو ذكرى تاريخية، بل هي واحدة من اللحظات التي كشفت قانوناً من قوانين بناء الأمم، فبعض الأحداث تنتهي بانتهاء زمانها، بينما تتحول أحداث أخرى إلى مفاتيح لفهم حركة التاريخ نفسها، وكانت الهجرة من هذا النوع النادر من الأحداث.
ولعل التاريخ يؤكد هذا القانون مراراً؛ فالإمبراطوريات التي قامت على القوة وحدها تراجعت بزوال قوتها، بينما استمرت الحضارات، التي نجحت في تحويل أفكارها إلى منظومات أخلاقية ومؤسسات راسخة، تحفظ تماسك المجتمع عبر الأجيال.
إن الهجرة في ظاهرها كانت انتقالاً من مكة إلى المدينة، لكنها في جوهرها كانت لحظة تأسيس، كشفت أحد أهم أسرار بناء الأمم وصناعة الحضارات، ففي تلك الليلة التي خرج فيها النبى محمد، صلى الله عليه وسلم، وصاحبه أبوبكر من مكة، لم يكن أحد يتوقع أن هذه الرحلة ستصبح بداية لتحول حضارى يمتد أثره عبر القرون، كان العالم آنذاك منشغلاً بصراعات الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية، وكانت مراكز القوة التقليدية هي التي تستحوذ على اهتمام المؤرخين وصناع القرار.
لكن التاريخ كثيراً ما يفاجئنا؛ إذ إن التحولات الكبرى لا تبدأ دائماً من مراكز القوة، بل من الأطراف التي تبدو بعيدة عن المشهد، فالإمبراطوريتان الرومانية والفارسية كانتا تملكان الجيوش والثروات والنفوذ، لكن التحول الحضارى الذى غيّر وجه المنطقة خرج من صحراء الجزيرة العربية، وقبل ذلك بقرون، خرجت المسيحية من إقليم صغير على هامش الإمبراطورية الرومانية، ثم أصبحت إحدى القوى المؤثرة في تشكيل الحضارة الغربية، وفي العصر الحديث انطلقت الثورة الصناعية من جزيرة صغيرة نسبياً في شمال غرب أوروبا، لتعيد رسم موازين القوة في العالم، كما نشأت الولايات المتحدة في بدايتها كمجموعة مستعمرات بعيدة عن مراكز النفوذ الأوروبية، قبل أن تتحول خلال قرنين إلى واحدة من أكثر القوى تأثيراً في التاريخ الحديث، وكأن التاريخ يكرر الدرس ذاته.. ليست القوة الموروثة وحدها هي التي تصنع الأمم، بل الفكرة القادرة على جمع الناس، والمؤسسات القادرة على تحويل تلك الفكرة إلى واقع.
ومن هنا تبرز قيمة الهجرة بوصفها أكثر من مجرد حدث ديني أو واقعة تاريخية، فهي تقدم نموذجاً عملياً للإجابة عن سؤال ظل حاضراً في تاريخ الأمم جميعاً.. كيف تُبنى الأمم؟
لقد نظر المؤرخون إلى الهجرة باعتبارها نقطة التحول التي انتقل فيها الإسلام من مرحلة الدعوة المحدودة إلى مرحلة بناء المجتمع والدولة، كما لفت عدد من الباحثين الغربيين إلى أن نجاح التجربة الإسلامية المبكرة لم يكن قائماً على نشر عقيدة جديدة فحسب، بل على قدرتها على إنشاء مجتمع متماسك وروابط اجتماعية جديدة تتجاوز الأطر التقليدية السائدة في ذلك العصر.
لكن السؤال الأهم ليس: ماذا حدث في الهجرة؟ بل: ماذا أعلنت الهجرة؟
قبل الهجرة كانت القبيلة تمثل الإطار الأعلى للانتماء، كان النسب هو الرابط الأقوى، وكانت العصبية القبلية تشكل أساس العلاقات الاجتماعية والسياسية، غير أن الهجرة كشفت محدودية هذا النموذج، فلم يكن جميع الأقارب في صف واحد، كما لم يكن جميع الأنصار من نسب واحد، وكان واضحاً أن رابطة الدم، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لصناعة مشروع تاريخى قادر على الاستمرار.
ومن هنا جاءت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار لتقدم نموذجاً جديداً للانتماء، يقوم على وحدة الفكرة والهدف والقيم المشتركة، لقد ظل النسب موجوداً ومحترماً، لكنه لم يعد المعيار الوحيد الذى يحدد موقع الإنسان داخل المجتمع، ولعل هذه كانت الرسالة الحضارية الأبرز للهجرة؛ أن الدم قد يصنع عائلة، لكنه لا يصنع بالضرورة أمة.
ولعل ما كشفته الهجرة من انتقال المجتمع من رابطة النسب إلى رابطة الرسالة يلتقى مع ما لاحظه ابن خلدون بعد قرون، حين رأى أن العصبية وحدها لا تكفي لبناء الدول الكبرى، وأن الدعوة الجامعة تضيف إلى الجماعات قوة ومعنى يتجاوزان حدود القرابة والانتماءات الضيقة، فكلما اتسعت الفكرة الجامعة واتحد الناس حولها، ازدادت قدرتهم على بناء دولة مستقرة ومشروع حضارى ممتد عبر الزمن.
غير أن التاريخ يقدم درساً آخر لا يقل أهمية عن سابقه، فالفكرة وحدها لا تكفى، فكم من أفكار عظيمة ظهرت ثم اختفت لأنها لم تجد من يجسدها في الواقع، وكم من شعارات جذبت الجماهير لفترة قصيرة ثم تلاشت لأنها افتقرت إلى منظومة أخلاقية أو بنية مؤسسية تحفظ استمرارها.
ولهذا، فإن بناء الأمم لا يقوم على عنصر واحد، بل على تفاعل ثلاثة عناصر متلازمة: فكرة تُلهم، وأخلاق تضبط، ومؤسسات تحفظ، الفكرة تمنح المجتمع اتجاهه، والأخلاق تمنحه تماسكه، والمؤسسات تمنحه القدرة على الاستمرار عبر الزمن، ولعل ما يميز تجربة الهجرة أنها جمعت هذه العناصر الثلاثة معاً، فقد حملت فكرة واضحة، وأنتجت منظومة أخلاقية عززت الثقة والتضامن، وأسست في الوقت نفسه مجتمعاً منظماً استطاع أن يتحول إلى دولة ثم إلى حضارة واسعة التأثير.
ولهذا، لم تكن الهجرة مجرد انتقال جغرافي من مدينة إلى أخرى، بل كانت انتقالاً من منطق القبيلة إلى منطق الرسالة، ومن الولاء للنسب وحده إلى الولاء للفكرة والقيم، ومن الجماعة المحدودة إلى الأمة القادرة على صناعة التاريخ، وإذا كان كثير من طرق الماضي قد اندثر، فإن الدرس الذى كشفته الهجرة ما زال حاضراً حتى اليوم.
فالأمم لا تُبنى بالقوة وحدها، ولا بالثروة وحدها، ولا بالانتماءات الضيقة وحدها، وإنما تُبنى عندما تتحول الفكرة إلى أخلاق، وتتحول الأخلاق إلى مؤسسات، وتتحول المؤسسات إلى ثقافة عامة تتوارثها الأجيال، عندها فقط تتحول الجماعة إلى أمة، وتتحول الأمة إلى حضارة.
ربما لهذا السبب بقيت الهجرة حاضرة في الوعى الإنسانى بعد أكثر من أربعة عشر قرناً، ليس لأنها سلكت طريقاً في الصحراء، بل لأنها كشفت قانوناً من قوانين التاريخ؛ أن الأمم لا تولد من الدم وحده، ولا من الأفكار وحدها، بل من فكرة يؤمن بها الناس، وأخلاق تحميها النفوس، ومؤسسات تحفظها الأجيال.