خيانة في «الحصن»

بعد أن انتهى النبي، صلى الله عليه وسلم، من غزوة الخندق، ورد الله كيد قريش والأحزاب التى تحالفت معها، اتجه مباشرة إلى تأديب بني قريظة الذين استغلوا عسكرة المسلمين على تخوم المدينة حول الخندق ووقوفهم في مواجهة المشركين وانقلبوا عليهم، ومزّقوا الصحيفة التى تحمل العهد الذي جمعهم مع رسول الله. تجمّع المسلمون -تحت قيادة النبي- أسفل الحصن الذي يختبئ به اليهود ونادى فيهم: «أجيبوا يا معشر يهود، قد نزل بكم خزى الله عز وجل»، وحاصر المسلمون حصنهم بضع عشرة ليلة، حتى بدأوا يضجّون، ويطلبون التفاوض.

هنا قفز الأوس من جديد إلى المشهد، وتحديداً حى «بنى عمرو بن عوف»، فقد كان الأوس حلفاءً ليهود بنى قريظة في الجاهلية، وبالتالى كان كلا الطرفين يعرفان بعضهما معرفة جيدة، وقد أصر اليهود حين استجاب النبي لطلب التفاوض الذى تقدّموا به، على أن يكون ممثل المسلمين في المفاوضات هو «لبابة بن عبدالمنذر». «ولبابة» حينئذ واحد من أبرز رجال الأوس، وينتمى إلى الحى التقليدى الذى تميّز بتذبذب مواقفه وطرح آراء تشكيكية في الواقع، وهو حى «بنى عمرو بن عوف». ولما سمع «لبابة» هذا الكلام قال لا أذهب إليهم إلا بإذن رسول الله، فأذن له، صلى الله عليه وسلم. صعد «أبولبابة» حصن بنى قريظة، والتقى اليهود، فلما رأوه قام إليه الرجال، وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرَقّ لهم، وقالوا: يا أبا لبابة.. أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم. وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح.. قال «أبولبابة»: فوالله ما زالت قدماى من مكانهما، حتى عرفت أنى قد خنت الله ورسوله.

لقد أفشى «أبولبابة» سر النبي، ونقل إلى بنى قريظة قراره بأن يُنفّذ فيهم حكم سعد بن معاذ، وهو كما حكيت لك سيد الأوس، وكان «سعد» حليفاً لهم، مثل «أبى لبابة» تماماً، لكنه لم يكن ينتمى إلى حى «بنى عمرو بن عوف»، ذلك الحى الذى آوى بعض الأوس الذين تميّزوا بمواقفهم المهزوزة أو المتميعة نوعاً ما. كان «سعد» قد حكم على يهود بنى قريظة بأن يُقتل مقاتلوهم، ويُسبى أطفالهم ونساؤهم، وتُقسّم أموالهم. كان «أبولبابة» يعلم أن هذا الحكم سيُنفّذ في بنى قريظة بمجرد أن يستسلموا وينزلوا على حكم النبي، ولم يكن له أن يُفشى مثل هذا السر، لكنه فعل.

وقد أحس الرجل بالخطأ الذى وقع فيه، فانطلق على وجهه، ولم يأت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وربط نفسه إلى عمود في المسجد، وقال: لا أبرح مكانى حتى يتوب الله على ما صنعت، وعاهد الله ألا يطأ بنى قريظة أبداً وألا يُرى في بلد خان فيه الله ورسوله أبداً. وظل «أبولبابة» على تلك الحال 6 ليالٍ، تأتيه امرأته في وقت كل صلاة، فتحله حتى يتوضأ ويصلى ثم يرتبط، حتى نزلت توبته في قوله تعالى: «وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ».

من جديد قفز رجال من الأوس في مشاهد كانت لهم فيها مواقف مضطربة.