د. مراد حرفوش يكتب: ما بعد الحرب الكاشفة.. الشرق الأوسط بين المشاريع المتنافسة وغياب التوازن العربي

كتب: محرر

د. مراد حرفوش يكتب: ما بعد الحرب الكاشفة.. الشرق الأوسط بين المشاريع المتنافسة وغياب التوازن العربي

د. مراد حرفوش يكتب: ما بعد الحرب الكاشفة.. الشرق الأوسط بين المشاريع المتنافسة وغياب التوازن العربي

دخل الشرق الأوسط، بعد سنوات طويلة من الحروب والصراعات الممتدة، مرحلة جديدة من إعادة تشكيل خرائط النفوذ والتوازنات الإقليمية، فى ظل تحولات متسارعة فرضتها المواجهات العسكرية، والأزمات الاقتصادية، والتنافس الدولى على الممرات الاستراتيجية والطاقة ومراكز التأثير.

ولم تعد المنطقة تتحرك وفق قواعد التحالفات التقليدية وحدها، بل باتت ساحة مفتوحة لمشاريع إقليمية متنافسة تسعى كل منها إلى تثبيت حضورها السياسى والأمنى والاقتصادى، بينما يقف العالم العربى فى موقع المتلقى أكثر من كونه شريكاً فى صناعة المشهد.

وقد شكّلت أحداث السابع من أكتوبر 2023، وما أعقبها من تصعيد واسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، لحظة فارقة كشفت حجم التحولات الجارية فى بنية الإقليم. فالحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبار واسع لموازين القوى، ولحدود النفوذ، ولقدرة الدول على حماية مصالحها الاستراتيجية فى منطقة تتّجه تدريجياً نحو إعادة توزيع القوة والنفوذ.

وفى خضم هذه التحولات، عاد السؤال العربى القديم بصيغة أكثر إلحاحاً: أين المشروع الاستراتيجى العربى؟ وكيف يمكن حماية الأمن القومى العربى فى ظل صراع مفتوح بين قوى إقليمية ودولية تتعامل مع المنطقة باعتبارها ساحة نفوذ ومجالاً لإعادة رسم الخرائط؟

لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن المنطقة العربية لا تزال تمثل محوراً رئيسياً فى الحسابات الدولية، سواء بسبب موقعها الجغرافى، أو مواردها الاقتصادية، أو أهميتها الاستراتيجية المرتبطة بالطاقة والممرات البحرية.

ومنذ تأسيس إسرائيل، جرى التعامل معها باعتبارها قاعدة متقدّمة للمصالح الغربية داخل المنطقة، حيث وفّرت لها القوى الكبرى، بدءاً من بريطانيا وفرنسا، وصولاً إلى الولايات المتحدة، أشكالاً غير مسبوقة من الدعم العسكرى والسياسى والتكنولوجى، بما يضمن تفوقها النوعى على محيطها العربى. وقد ظهر هذا الارتباط بوضوح خلال الحرب الأخيرة، حين تحرّكت واشنطن بكل أدواتها السياسية والعسكرية والدبلوماسية لحماية إسرائيل، وتأمين غطاء دولى لعملياتها العسكرية، ومنع أى مسار دولى يمكن أن يُفضى إلى محاسبتها على الانتهاكات المرتكبة فى غزة. وفى المقابل، لم تُبدِ الإدارة الأمريكية أى اعتبار حقيقى لحجم التداعيات التى أصابت الأمن والاستقرار فى المنطقة العربية، رغم علاقاتها الوثيقة مع الكثير من العواصم الخليجية والعربية.

فى المقابل، واصلت إيران تعزيز مشروعها الإقليمى الذى تأسس منذ عام 1979 على فكرة توسيع النفوذ وبناء شبكات حلفاء داخل الإقليم. واستطاعت طهران، خلال العقود الماضية، توظيف الأزمات العربية والفراغات السياسية فى عدد من الدول، لبناء حضور مؤثر فى العراق ولبنان واليمن وسوريا، عبر أدوات سياسية وعسكرية وأمنية متشابكة، مكّنتها من التحول إلى لاعب رئيسى فى معادلات الشرق الأوسط.

كما أظهرت المواجهة الأخيرة بين واشنطن وطهران أن إيران، رغم الضربات القاسية التى تعرّضت لها، لا تزال قادرة على إدارة الصراع ورفع كلفته الإقليمية والدولية، سواء عبر تهديد الممرات البحرية، أو التأثير على أسواق الطاقة، أو توسيع نطاق الاشتباك عبر حلفائها فى المنطقة. وهو ما عزّز حضورها، باعتبارها قوة إقليمية تمتلك مشروعاً واضحاً وأدوات ردع مُتعدّدة.

لكن الأخطر فى كل ما جرى أن العالم العربى بدا غائباً عن معادلة إعادة تشكيل الإقليم، رغم أن ساحات المواجهة الرئيسية كانت داخل المجال العربى نفسه، فالمنطقة العربية تحولت إلى مسرح للصراع بين المشاريع المتنافسة، دون امتلاك رؤية عربية موحّدة قادرة على حماية المصالح القومية أو فرض توازنات مستقلة.

لقد كشفت الحرب هشاشة النظام العربى، وعمق الانقسامات السياسية والاستراتيجية بين دوله، فى ظل تغليب الحسابات القطرية الضيقة على مفهوم الأمن القومى العربى المشترك. كما أظهرت محدودية فاعلية مؤسسات العمل العربى المشترك، وعجزها عن التعامل مع التحولات الكبرى التى تعصف بالإقليم.

ومن هنا، برزت مجدداً الدعوات العربية، وفى مقدمتها الطرح المصرى، لإعادة التفكير فى بناء منظومة أمن قومى عربى أكثر تماسكاً، تقوم على فكرة الشراكة الاستراتيجية والتنسيق الدفاعى، وصولاً إلى إنشاء قوة عربية مشتركة قادرة على حماية المصالح العربية، وتأمين التوازن الإقليمى فى مواجهة المشاريع المتصارعة.

وفى السياق ذاته، تتّجه بعض القوى العربية، وفى مقدمتها المملكة العربية السعودية، نحو بناء شراكات وتحالفات إقليمية جديدة تستند إلى المصالح الاقتصادية والأمنية والتكنولوجية، بما يُخفّف من الاعتماد الكامل على المظلات الخارجية، ويمنح الدول العربية مساحة أكبر من الاستقلالية فى إدارة مصالحها.

إن ما جرى خلال السنوات الأخيرة، وصولاً إلى الحرب الأخيرة بين واشنطن وطهران، يؤكد أن الشرق الأوسط يعيش مرحلة انتقالية شديدة التعقيد، تُعاد فيها صياغة موازين القوى والتحالفات ومفاهيم الردع. وفى ظل هذا التحول، لم يعد ممكناً استمرار الرهان العربى على التوازنات الخارجية وحدها، أو الاكتفاء بردود الفعل المؤقتة على الأزمات.

فالمنطقة تتّجه نحو نظام إقليمى جديد، ولن يكون للعرب مكان مؤثر فيه ما لم يمتلكوا مشروعاً استراتيجياً حقيقياً، يقوم على التكامل السياسى والاقتصادى والأمنى، ويعيد تعريف مفهوم الأمن القومى العربى، بعيداً عن الانقسامات والمحاور المتصارعة.

لقد أثبتت التجارب أن الحماية الخارجية لا تصنع استقراراً دائماً، وأن الدول التى لا تمتلك مشروعها الذاتى تصبح جزءاً من مشاريع الآخرين. ومن هنا، تبدو الحاجة مُلحّة اليوم إلى بناء رؤية عربية أكثر واقعية وتماسكاً، قادرة على تحويل العالم العربى من ساحة للصراع إلى طرف فاعل فى صناعة التوازنات الإقليمية الجديدة.