السياسة رقعة شطرنج (1)

إذا كان ما تقدم يبين لنا تبادل الاستعارات بين السياسة وكرة القدم، فإن هناك لعبة أخرى تمت استعارتها بحذافيرها لتُشكل صورة للاستراتيجيات والتكتيكات السياسية والحربية معاً، وهى لعبة الشطرنج التى يحلو لكثيرين استعارتها فى ترتيبات السياسة، وتجهيزات الحرب والتخطيط لها، وهى فى هذا ربما تكون أقرب الألعاب التى تؤدى دورها هذا فى صمت وبراعة، وإن كانت تقوم بتصوير السياسات الدولية على أنها «عقلانية» و«منتظمة» و«هادئة» وتصوير الحرب على أنها ممارسة بشرية تمضى بإحكام شديد، حيث يتمكن القادة العسكريون من أن يحقّقوا فى ميادين القتال كل ما دار فى عقولهم، وفكروا فيه ملياً، قبل النزال المهول، وهذا أمر فيه الكثير من التفكير غير الواقعى.

وقد ولدت لعبة الشطرنج فى حضن تصور فلسفى يرى أن «السياسة عقلانية» إلى حد بعيد، إذ يقال إن ملكاً هندياً يُدعى بلهيث أراد اختراع لعبة تعتمد على العقل الصرف بدلاً من لعبة فضّلها ملك هندى سابق هو باهبود تعتمد على الحظ والعقل معاً وهى «الطاولة» أو «النرد»، من منطلق إيمان الملك اللاحق بأن العقل وحده محرك الحياة، فجاء «الشطرنج» معبراً عن فلسفته تلك.

وهذا النزوع العقلانى ربما هو ما دفع وزير المالية الألمانى بيير شتاينبروك، الذى تمنى لو نازل نابليون بونابرت فى لعبة الشطرنج، أن يرى أن هناك أشياء مشتركة تربط بين الشطرنج والسياسة، من بينها أن كليهما تربطه علاقة بالتخطيط الاستراتيجى، تقوم فى زاوية منها على أن اللاعب يدرس ويُقدّر موقفه أولاً، ثم يضع نفسه فى مكان خصمه أو منافسه، محاولاً أن يتنبّأ بالخطوة التالية التى سيقدم عليها.

وإذا كان «الشطرنج» هو لعبة الملوك المفضّلة فهو كذلك لعبة العموم التى تمكن خيالهم من التحليق بعيداً عن القاع، لينصبوا أنفسهم، طيلة وقت اللعب، قادة وملوكاً يسوسون الجيوش ويدخلون الحروب ليكسبوها أو يخسروها على رقعة واحدة، وهم فى هذا مثل الملوك الواقفين على الرقعة، يحقّقون النصر دون أن يروا صور الدمار والقتل حيث الدم والأشلاء التى تصاحب الحروب الحقيقية، أو حتى بعض الألعاب الإلكترونية الحديثة، فإن انتصروا تواضعوا بلا ضوضاء، وإن هُزموا صبروا بلا انفعال ولا احتداد ولا احتقان.

من أجل هذا باتت لعبة الشطرنج مجازاً متكرّراً دالاً على شئون العلاقات الدولية، تُزين الصورة الملتقطة فنياً لملوك وفرسان (شاهات وبيادق) الكثير من الكتب أو المقالات البحثية، خصوصاً تلك المتعلقة بنظرية العلاقات الدولية، كما أنها صارت كلعبة ملكية هى المفضلة لدى ساسة مشهورين، مثل نابليون بونابرت الذى كان يُخطط لمعاركه على رقعة شطرنج، وكذلك لينين وهتلر وتشرشل وجيفارا وكاسترو وأوباما، كما مارسها أدباء مثل شكسبير وماركيز، ووظفها الأول سياسياً فى مسرحيته «العاصفة» حين أضاف مشهداً فيها، تقديراً للأميرة إليزابيث التى كانت واحدة من لاعبات الشطرنج الماهرات، فيما أورد الثانى شيئاً عنها فى روايته «الحب فى زمن الكوليرا»، حين توقف الدكتور أوروبينو عن لعبها بعد انتحار صديقه جيرمايه.