يسرا زهران تكتب: «الموت بآلاف الجروح الصغيرة».. «جيل بايدن» تحكي عن الأيام الأخيرة لرئاسة زوجها

كتب: محرر

يسرا زهران تكتب: «الموت بآلاف الجروح الصغيرة».. «جيل بايدن» تحكي عن الأيام الأخيرة لرئاسة زوجها

يسرا زهران تكتب: «الموت بآلاف الجروح الصغيرة».. «جيل بايدن» تحكي عن الأيام الأخيرة لرئاسة زوجها

لو أن أحداً أراد أن يلخص الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة عام 2024 فى صورتين، لكانت الصورة الأولى حتماً هى صورة المرشح الرئاسى وقتها «دونالد ترامب» وهو يرفع قبضته بقوة أمام مناصريه بينما الدماء تنزف من جرح سطحى فى أذنه بعد تعرضه لإطلاق النار عليه فى «بنسلفانيا»، وهى اللقطة التى لعبت بلا شك دوراً فى حشد مزيد من التأييد للمرشح الجمهورى الذى أصبح فيما بعد رئيساً للولايات المتحدة للمرة الثانية.

أما الصورة الثانية، فستكون على الأرجح هى صورة منافسه، الرئيس الأمريكى السابق «جو بايدن» خلال المناظرة الشهيرة التى جرت بينهما، وظهر فيها الرئيس الذى ينتمى للحزب الديمقراطى، تائهاً، ذاهلاً، ضائع الكلمات والنظرات، عاجزاً عن رد الضربة بمثلها، تخرج منه عبارات أقرب إلى اللامعقول، تصيب مساعديه بالصدمة، وتصيب الأمريكيين بالفزع، إلى الحد الذى تصوروا فيه أن رئيسهم يعانى من نوع من العجز فى الوظائف الإدراكية، وأنه لم يعد مؤهلاً حتى لاستكمال أيام فترته الرئاسية الأولى المتبقية، فكيف بالترشح لفترة رئاسية ثانية؟

«جيل بايدن»، قرينة الرئيس الأمريكى السابق، كانت تجلس مع مساعديه فى غرفة مجاورة للاستديو الذى جرت فيه هذه المناظرة الذى أصبحت فيما بعد نقطة تحول فى مسار سباق الانتخابات الرئاسية الأمريكية. تحكى فى مذكراتها التى صدرت منذ أسبوعين فى الولايات المتحدة حاملةً عنوان «إطلالة من الجناح الشرقى»، عن تلك المناظرة وما حدث بعدها بتفاصيل دقيقة من قلب بيت الرئيس الأمريكى السابق، لكنها فى تلك المذكرات، تدافع عن زوجها ضد الضربات التى تلقاها من الأصدقاء قبل الأعداء، تعترف بأخطائه وأخطائها، وتقيّم تجربتها كسيدة أولى شعرت أن زوجها قد تعرض لظلم فادح وقسوة فاقت الحد فى أيامه الأخيرة كرئيس، لكنها تدرك بشكل عملى وواقعى، أن هذا ثمن متوقع عند الدخول فى لعبة السياسة، وأن من وصل يوماً ما إلى منصب الرئيس الأمريكى الذى يوصف بأنه «أقوى رجل فى العالم»، عليه أن يتحمل أيضاً أقوى الضربات.

.

ظللت لأسابيع أطالب «جو» بأن يبذل ما فى وسعه لوقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس».. ومصرع فريق إغاثة على يد القوات الإسرائيلية دفعنى للكلام

ترى «جيل» فى مذكراتها أن الصورة التى ظهر عليها «بايدن» خلال تلك المناظرة، ليست هى الحالة التى كان عليها فى المعتاد، أى إنها كانت حالة طارئة عليه، لكن الأمريكان أصبحوا يعتبرونها هى الصورة الوحيدة والدائمة له، وتساقط المؤيدون له واحداً تلو الآخر بعد تلك المناظرة حتى كتب النجم الأمريكى الشهير «جورج كلونى» مقالاً يعلن فيه تقديره وحبه لـ«بايدن»، لكنه يطالبه بالخروج من السباق الرئاسى بعد أن التقى به فى حفل لجمع التبرعات، ووجد أن «بايدن» الذى التقى به فى الحفل «هو نفسه «بايدن» الذى رآه الجميع خلال المناظرة» على حد قوله. أما «جيل» فترفض فى مذكراتها، كما رفضت وقتها فى الواقع، أن تترك تسعين دقيقة (هى مدة المناظرة) تمحو كل مسيرة زوجها السياسية والمهنية التى استمرت لعدة عقود.

هذا الإصرار على الدفاع عن زوجها لم يمنع «جيل بايدن» من الاعتراف بحجم الضرر الذى تسبب فيه أداؤه فى المناظرة أمام «ترامب». تقول «جيل» فى مذكراتها عن زوجها: «خلال تلك المناظرة شعرنا أننا نرى أمامنا نسخة مصنوعة بالذكاء الاصطناعى للرجل الذى نعرفه، وأن هناك خللاً أو انقطاعاً فى هذه الصورة أو «الهولوجرام»، وتساءلت: هل تم تخديره؟ يا إلهى! هل من يشاهدون هذا سيظنون أنه هكذا طيلة الوقت؟. فى تلك المناظرة فقد «جو» نفسه، فقد جوهر من يكون حقاً. لم يتحدث من قلبه، وكذب خصمه أكثر من مائة مرة، لكن هذا لم يكن يهم. كانت الأفكار تتصارع فى ذهنى بينما المناظرة مستمرة، وظللت أنتظر أن يرد «جو» على الضربات الموجهة له لكنه بدا تائهاً. هل كان يمر بظرف طارئ يحتاج لتدخل طبى؟ ما الذى كان يحدث؟ لم أرَ مثل هذه النظرة على وجهه فى حياتى كلها».

وتواصل: «بمجرد أن انتهت المناظرة توجهت إليه، ثم توجهنا معاً لنودع القائمين على إدارة المناظرة، وكان يخيم عليهم الصمت، وفكرت أن الأمر قد سار فعلاً على نحو رهيب. وبينما كنا نغادر المكان همس لى «جو» قائلاً: لقد أفسدت الأمر حقاً (مستخدماً تعبيراً أمريكياً خارجاً) أليس كذلك؟» ورددت عليه هامسة كذلك: نعم، لقد فعلت». حتى هذه اللحظة ما زلت لا أعرف ما الذى حدث. لماذا لم يكن لكلامه معنى؟ المرة الوحيدة التى رأيته فيها على مثل هذه الحالة كانت بعد إجرائه عملية جراحية. ليتنى فكرت ساعتها فى إجراء تحاليل دم له حتى نعرف ماذا يوجد فى جسمه، هل تناول شيئاً أو دواء على متن الطائرة لتخفيف السعال؟ هل أخذ دواء فى الفندق للمساعدة على النوم؟».

وتتابع: «بدا «جو» مكتئباً وكانت هذه علامة بالنسبة لى على أنه يدرك أن أداءه كان سيئاً فى المناظرة وأنه قد بدأ يستجمع نفسه. شعرت بأنه مجروح وأردت أن أقول شيئاً إيجابياً. قلت بصدق: لقد أجبت عن كل سؤال، وكنت تعرف كل الحقائق، ما الذى فعله «ترامب»؟ لقد كذب». وفعلاً، لقد تفادى خصم «جو» فى المناظرة كل الأسئلة التى لم يرغب فى الإجابة عنها، بينما حاول «جو» أن يقدم إجابة كاملة عن كل سؤال. لكن بالنظر اليوم إلى الوراء، تبدو تعليقاتى منفصلة نوعاً ما عما رآه الناس، وأتساءل ما إذا كنا قد حاولنا بكل طاقتنا، منذ الدقائق الأولى بعد المناظرة، أن نطمئن الجميع بحيث إننا لم نأخذ وقتنا للاعتراف بأن «جو» لم يبدُ فى حالة جيدة خلالها، ولا بأن نقول للجمهور صراحة: «نعم، لقد كان ذلك سيئاً من دون شك». ربما كنا عندها قد نجحنا ساعتها فقط، بمجرد أن نتفهم قلق الناس، أن نجد تفسيراً لما حدث».

كانت تلك الليلة هى المرة الأولى التى تسمع فيها «جيل» تلميحات صريحة بأن من يحيطون بالرئيس الأمريكى يخفون متعمدين تدهور قدراته الذهنية الذى ظهر واضحاً فى أدائه خلال المناظرة مع «ترامب». تقول: «بدأت التقارير الإخبارية ترد إلى هواتفنا، وكانت تلك هى المرة الأولى التى بدأنا نسمع فيها صراحة اللغط الدائر بأنه على ما يبدو، فإن تدهور القدرات الذهنية والإدراكية لـ«جو» أمر يتم إخفاؤه عمداً بواسطة المحيطين به حتى نظل فى السلطة. بالنسبة لى كان الأمر سخيفاً إلى حد أننى لم أتخيل حتى إنه يستحق عناء الرد. ولم أتصور أبداً أن هذه النظرية سوف تنتشر أو تخرج عن السيطرة».

وتضيف «جيل بايدن»: «فى اليوم التالى للمناظرة استيقظت كالعادة قبل «جو»، وبعد أن تناولت قهوتى ذهبت لأوقظه من النوم، وعندما شعرت بتثاقله قلت له: «انهض، لن نترك تسعين دقيقة (هى المدة التى استغرقتها المناظرة مع «ترامب») تحدد مسيرة مهنية كاملة».

وفى ذلك اليوم ألقى «جو» واحداً من أفضل خطاباته قائلاً من قلبه: «قد لا أكون قادراً على السير بنفس السهولة التى كنت أمشى بها من قبل، ولا أتحدث الآن بنفس السلاسة التى كنت عليها من قبل، ولا أناظر بنفس الإجادة التى كنت عليها من قبل، لكننى أعرف كيف أقول الحقيقة، وكيف أُميّز الصواب من الخطأ، وأعرف كيف يمكن القيام بهذا العمل. وأعرف، مثل ملايين الأمريكان، أنه عندما تسقط أرضاً، عليك أن تنهض».

شعرت فى تلك اللحظة وأنا بجانبه أننا نمضى قدماً، لكن هذا الإحساس لم يستمر. كان الدرس الأهم بالنسبة لنا على ما أعتقد أنه إذا لم تشرح شيئاً ما بشكل جيد بما فيه الكفاية، فإن السؤال سيظل قائماً ولن يختفى».

.

تصل مذكرات «جيل بايدن» إلى اللحظة التى بدأت فيها المطالبات صراحةً لزوجها بالتخلى عن السباق الرئاسى، تقول: «لم يقدم أحد قط تفسيراً مُرضياً بما يكفى حول أداء «جو» فى المناظرة، وكثير من الناس لم يستطيعوا تجاوز ذلك الأمر، ومنذ تلك اللحظة، أصبحت هناك مطالبات له بالتخلى عن سباق الرئاسة يتزايد صوتها يوماً بعد يوم. أداء «جو» فى المناظرة أصاب الناس بالخوف حتى ظنوا أنه يعانى من تدهور ذهنى أو إدراكى شديد وأنه لم يكن لائقاً من الناحية العقلية للرئاسة».

وتواصل: «بالنسبة لى ولهؤلاء الذين يقضون معظم وقتهم مع «جو»، لم يكن ذلك الرجل الذى ظهر فى المناظرة هو نفس الرجل الذى نراه بشكل يومى. صحيح أنه كان أكبر سناً، وأنه يبدو أكثر إرهاقاً، إلا أن المستشارين المقربين من «جو» قالوا إن الحملة ما زالت قائمة، وأصروا على أنه مدين للبلاد بالبقاء فى سباق الرئاسة. كانت النظرة المتفائلة ترى أن عدداً كافياً من الناخبين سوف يقول: «ليكن، إنه كبير فى السن لكنه يقوم بعمل جيد، ولدينا نائبة رئيس شابة، ولو أنه فى خلال فترته الرئاسية الثانية قد وصل إلى النقطة التى يحتاج فيها إلى تسليم السلطة، فإن أسوأ السيناريوهات هنا يظل سيناريو جيداً». والواقع أنه حتى بعد المناظرة ظللت أعتقد أن «جو» هو الرهان الأفضل لمنع رجوع إدارة ستجلب معها الفوضى على الأرجح».

وتضيف: «إلا أن المعلومات التى تدق جرس الإنذار ظلت تتوالى، وقيل لى إن الناس بدأوا يطالبون بالتوقف عن منح التبرعات لحملة «جو». وأرسل لى شخص أعرفه بالكاد رسالة عبر الهاتف يقول لى «يبدو أن الوقت قد حان لأخذ مفاتيح السيارة من الجد». شعرت أن هذا كلام فى منتهى العجرفة، بالضبط مثل المكالمات التى تأتى «جو» كل ساعة تطالبه بالتنحى جانباً، وصار الأمر أقرب إلى الموت بسبب آلاف الجروح الصغيرة».

وتتابع: «كان هناك كلام عن قيام «جو» بعمل اختبار للقدرات الذهنية والإدراكية. كان رأيى أن هذا لن يكون صعباً بالنسبة له، لماذا لا نمنح الناس نتائج ذلك الاختبار حتى يطمئنوا إلى أهليته؟ لكن هذا الرأى كان يتعارض مع ما يراه مستشارو «جو» الذين قالوا له إن كل يوم يقضيه وهو يؤدى عمله كرئيس هو اختبار ذهنى وإدراكى. لو أننى سُئلت ما هو الأفضل بالنسبة للعائلة لقلت إن الإجابة الواضحة هى الخروج. إن ثمن الدخول فى السياسة أنه يتم الحكم عليك بلا توقف، لا أحد يتعامل معك بمرونة، يتم النظر إلىك دائماً بعين متشككة تراقب أيضاً الطريقة التى تتحدث بها وأى خطوة خاطئة تقوم بها، لكننى كنت أريد ما هو أفضل بالنسبة للبلاد، وفى النهاية كان هذا هو قرار «جو» وحده».

وتضيف: «عندما لم يستطع الناس إقناع «جو» بالتخلى عن سباق الرئاسة، بدأوا يضغطون علىَّ أنا. صاروا يشجعوننى حتى «أكون البطلة» أو أن أخرج للعلن قائلة «لقد أقنعت زوجى بعدم الترشح». البعض ممن ظنوا أنه من الممكن إقناعى بأن أطالب «جو» بالخروج من السباق كانوا مصرين على أننى قد فعلت هذا من قبل خلال الانتخابات الرئاسية عام ٢٠٠٤ (أمام «جورج بوش الابن»)، لكن الفارق أن فى تلك الانتخابات أن «جو» أخبرنى أنه لا يريد الترشح للانتخابات فى هذا العام، ولم يتوقف الخبراء السياسيون عن زيارة منزلنا محاولين إقناعه بالعكس، أى بالترشح أمام «جورج بوش الابن»، وظل هؤلاء الرجال يتوافدون على منزلنا للإلحاح عليه، حتى شعرت فى يوم من الأيام أننى أخذت كفايتى من هذا. وبينما أنا جالسة بجوار حمام السباحة فى منزلنا مرتدية «البيكينى» شعرت بأن غضبى يتزايد أكثر فأكثر. وأخيراً كتبت كلمة «لا» بحروف كبيرة على بطنى باستخدام قلم أسود، ودخلت بهذا الشكل عليهم وسط جلسة نقاشهم الاستراتيجى. لم أكن أقول «لا» لـ«جو» لكنى كنت أعبر عن نفاد صبرى من هؤلاء الرجال العدوانيين الذين يدخلون إلى منزلى محاولين إقناع «جو» بأن يفعل شيئاً سبق أن قال لهم بوضوح إنه لا يريد فعله».

ثم تحكى «جيل» عن حادثة إطلاق النار على منافس زوجها كما عاشتها قائلة: «وفى يوليو ٢٠٢٤ أصيب منافس «جو» فى السباق الرئاسى (أى الرئيس الحالى «دونالد ترامب») فى «بنسلفانيا». كان الأمر مروعاً ولم أفهم كيف حدث بالنظر إلى البروتوكولات المعتادة فى تأمين المنطقة. اتصلت بـ«ميلانيا ترامب» (السيدة الأولى الحالية) وقلت لها إن فكرى معها ومع ابنها «بارون»، وكانت هى مهذبة ورابطة الجأش كعادتها، وقالت لى إنهم «بخير» وشكرتنى على اتصالى. واستمر «جو» فى السباق الرئاسى. صار الناس، واحداً تلو الآخر، يتصلون ليبلغوا «جو» بما يرونه قائلين «سنك عامل مؤثر. أنت غارق تحت الماء. «ترامب» يتقدم فى استطلاعات الرأى».

وتواصل: «أصبح «جو» مهووساً بتليفونه «الآيفون» والتغطية الإخبارية المتواصلة عليه، وكانت خوارزميات الجهاز تنتقى له أسوأ الأسوأ فيها. كان يشاهد قناة «فوكس» باستمرار (أكثر القنوات الإخبارية هجوماً عليه وتأييداً للرئيس «ترامب»)، وشاهد وسمع كل الخطاب السلبى ضده. أحد الأمور التى سمعتها فيما بعد كانت أن الدائرة الداخلية المحيطة بـ«جو» قامت بحمايته من الأخبار السلبية ووضعته فى فقاعة من التفاؤل الوهمى. هذا غير صحيح. لقد كان يتعرض لطوفان من الأخبار كل يوم، وكانت كلها تقريباً أخباراً سيئة».

ربما كان «جو بايدن» فى أيامه الأخيرة كرئيس مشغولاً بالأخبار السيئة التى يتلقاها حول تقدم منافسه وتراجع شعبيته هو، إلا أن العالم كله فى فترة رئاسة «بايدن» كان مشغولاً بواحدة من أفظع المشاهد التى شهدها فى تاريخه الحديث، وهى مشاهد العدوان الإسرائيلى على قطاع «غزة» بعد الهجوم الذى شنته حركة «حماس» يوم ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ وأدى إلى تداعيات شديدة الخطورة على المنطقة كلها. لم يكن موقف «جو بايدن» مختلفاً عن موقف الإدارات الأمريكية على اختلافها، والتى تتفق فى تأييدها المطلق لإسرائىل، ولم تكن النبرة التى تتحدث بها «جيل بايدن» فى مذكراتها عن ذلك الحدث بعيدة عن ذلك التأييد. إلا أنها وصلت إلى نقطة معينة، بعد أن شهدت مصرع أفراد فريق إغاثة تثق فى مهمتهم السلمية على يد القوات الإسرائيلية، لم تعد معها قادرة على الاحتفاظ بحيادها وصمتها أمام ما يحدث فى «غزة»، حتى مع تأييدها الواضح لإسرائيل.

تقول السيدة الأمريكية الأولى فى مذكراتها: «فى صباح يوم ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، كنت أقوم بتصحيح اختبارات طلابى فى الكلية عندما تلقيت رسالة على الهاتف من طاقم العمل فى البيت الأبيض يسألوننى ما إذا كان «جو» قد استيقظ. جلس «جو» يتحدث على الهاتف مع الأمن القومى بينما فتحت أنا القنوات الإخبارية لأشاهد ما كان يحدث. كانت حركة «حماس» قد قامت بعمليات قتل وحشية واغتصاب وحرق لمدنيين إسرائيليين أبرياء. كان هذا أسبوعاً مليئاً بالأحزان والحداد، ورد رئيس الوزراء الإسرائيلى «بنيامين نتنياهو» على الهجوم الإرهابى قائلاً: «نحن فى حالة حرب». لم يعرف أحد بالضبط ما يعنيه هذا الأمر فى ذلك الوقت، ولا كم من البشر سوف يموتون، ولا كم من الدول سوف تتورط فيما يحدث. لكننا كنا نعرف أن «نتنياهو» سوف يسعى لإقصاء «حماس» من السلطة من أجل إبقاء إسرائيل آمنة». وتواصل: «كان الدعم الأمريكى لإسرائيل واضحاً، وكان هناك غضب وإدانة للهجوم، وأراد «جو» أن يقف إلى جانب الشعب الإسرائيلى وسافر للقاء «نتنياهو» من أجل إظهار الدعم. إلا أن الأسابيع تحولت إلى شهور، وارتفع عدد القتلى الفلسطينيين، وكانت صور الأطفال الذين يعانون من الجوع والمدن التى تحولت إلى أنقاض تدفع أصحاب الضمائر حول العالم لكى يتساءلوا متى سينتهى ذلك كله؟. اتصل البابا «فرنسيس» بابا «الفاتيكان» بـ«جو» لكى يبحث معه شأن الحرب، خاصة ما يتعلق بإطلاق سراح الرهائن وأهمية حماية المدنيين. وخلال المكالمة، طلب «جو» من البابا أن يصلى من أجله، وطلب البابا «فرنسيس» من «جو» بدوره أن يصلى من أجله أيضاً، وظل يردد له: أنت رجل سلام».

؟.

وتضيف: «خلال عملى كزوجة لنائب الرئيس الأمريكى، كنت شاهدة على الجفاف والمجاعات فى أحد معسكرات اللاجئين فى كينيا، وقمت بزيارة مناطق أزمات خلال عملى كرئيس لمجلس مؤسسة «أنقذوا الأطفال» بين عامى ٢٠١٧ و٢٠١٩. شعرت بالإعجاب أمام جهود الإغاثة التى يقوم بها «الشيف» الإنسانى العظيم «خوزيه أندريس»، الذى أطلق «المطبخ المركزى العالمى» عام ٢٠١٠، ليوصل الطعام إلى أكثر المناطق احتياجاً له. كان يقول: «إن أطباق الطعام التى نقوم بطهيها وتوصيلها ليست مجرد مكونات أو سعرات. طبق الطعام هو طبق من الأمل. رسالة بأن هناك شخصاً ما، فى مكان ما من العالم، يهتم بأمرك». ومرة أخرى، شعرت أننا نحتاج إلى أن نحتفى بهؤلاء الذين يقدمون الدعم والرعاية للمواقف التى تبدو خطيرة ويائسة، وكان «خوزيه أندريس» أحد هؤلاء الناس».

وتتابع: يوم ٢ أبريل ٢٠2٤ كنت أضع لنفسى بعض رتوش «الماكياج» قبل الذهاب للتدريس بينما الأخبار الصباحية دائرة فى الخلفية، عندما سمعت أن سبعة من العاملين المساعدين لـ«خوزيه» قد لقوا مصرعهم بسبب القنابل الإسرائيلية خلال قيامهم بمهمتهم السلمية. شعرت أن قلبى قد انفطر. لقد ظللت لأسابيع أطالب «جو» بأن يبذل كل ما فى وسعه من أجل التوصل لوقف لإطلاق النار فى الحرب بين إسرائيل و«حماس». كنت أدرك بالطبع أن هناك الكثير مما لا أعرفه، إذ إن أغلب ما يطلع عليه «جو» يعتبر سرياً، لكن عندما قتلت القوات الإسرائيلية العاملين فى المطبخ المركزى العالمى، شعرت أنه ينبغى علىّ أن أقول شيئاً ما».

وتواصل «جيل»: «إننى أستيقظ فى المعتاد قبل «جو»، لذلك رأيت قبله تلك الفظائع التى سيكون عليه أن يواجهها. وفى ذلك الصباح، عندما رأيت يوماً إضافياً من الدمار فى غزة، تركت لـ«جو» ملاحظة على ورقة لاصقة على المرآة فوق حوض الحمام الخاص به حتى يراها عندما يستيقظ، وبعدها توجهت لعملى فى التدريس. قلت له فى الملاحظة: «عمال الإغاثة فى المطبخ المركزى العالمى قد قتلوا، فيهم أمريكى واحد. على «نت» أن يتوقف (تقصد رئيس الوزراء الإسرائيلى «بنيامين نتنياهو»).

وتتابع: «كانت هذه ملاحظة خاصة بينى وبين «جو»، لكن خلال اجتماع فى ذلك الصباح، قرأ «جو» هذه الملاحظة بصوت عال. وخلال استراحة الغداء فى عملى، تلقيت اتصالاً يقول لى إن صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية سوف تنشر مقالاً حول ملاحظتى. كان فريق المساعدين الخاص بى يريد أن يعرف: هل هذا صحيح؟ وما الذى قلته بالضبط؟ شعرت فى البداية بالغضب إزاء المساعدين، لأننى ظننت أنهم يقومون بتوبيخى. يا له من درس عن ثمن التعبير عن الرأى!. هل أجد نفسى فى ورطة بسبب عشر كلمات فى ملاحظة لاصقة تطالب بالسلام؟ قالت لى السكرتيرة الصحفية الخاصة بى إن الأمر ليس كذلك، وإنها تريد فقط أن تعرف ما الذى تقوله لصحيفة «نيويورك تايمز» حول هذا الأمر».

وتحكى «جيل»: «قلت: نعم لقد كتبت هذه الملاحظة. وظهر المقال فى الصحيفة تحت عنوان يقول: «أوقف ذلك الآن. «جيل بايدن» تطالب سراً بإنهاء الصراع فى غزة». وفى الصباح التالى، تركت ملاحظة لاصقة أخرى لأننى كنت أعلم أن «جو» سوف يتحدث إلى «نتنياهو» وقلت له: «كن قوياً، لا تدع ب. ن. (أى بنيامين نتنياهو) يستغل طيبتك». وفى هذه المرة أضفت رجاء له بأن يبقى هذه الملاحظة بينى وبينه».

انتهت كلمات «جيل بايدن» عن «غزة» فى مذكراتها، لكن معاناة أهالى القطاع ظلت مستمرة، كأن هناك من يصر على ألا تنتهى، أياً كان قاطن البيت الأبيض، سواءً كان «الرئيس الطيب»، أو «الرئيس الشرس»!