يا مصر بتعمليها إزاي؟
لا تتحقق الانتصارات الكبرى كل يوم، وفي الطرق الطويلة نحتاج إلى انتصارات مرحلية تعيننا جميعًا على مواصلة السير، هذا هو الحال مع استراتيجية مصر 2030، التي وضعتها مصر لعدة أهداف، ربما أبرزها القضاء على عدد كبير من السلبيات المزمنة، التي لم نتمكن من التخلص منها على مدار التاريخ.
سلبيات مثل اختراق الصحراء وتعميرها واستغلالها في زيادة المساحات المأهولة بالسكان خارج الوادي والدلتا، بما يسهم في تخفيف الضغط على المدن المليونية المكدسة بالسكان، وكسر مؤشر الزيادة السكانية الآخذ بالتصاعد بسرعة جنونية منذ بداية القرن الماضي.
وقد رصدنا مؤخرًا بعضًا من المؤشرات الإيجابية فيما يخص هذه الأهداف، أعلنت وزارة الصحة والسكان مؤخرًا عن عدد من التطورات الإيجابية في هذا الشأن، أولها انخفاض معدل المواليد لأول مرة منذ عام 2007 عن مليوني مولود، فضلًا عن تراجع متوسط المواليد اليومي بعدد 220 طفلًا يوميًا، وهي نتائج إيجابية تتوافق مع عدد من المبادرات الرئاسية في مجال الصحة، والتي تستهدف الحفاظ على الصحة العامة للمصريين، والتوعية بمخاطر القنبلة الديموغرافية، التي تعتبر من أبرز التهديدات التي تواجه التنمية في مصر، فضلًا عن كونها من أهم أسباب الفقر وانخفاض مستوى الدخل للفرد والأسرة، إضافة إلى انخفاض مستوى المعيشة.
كما شهدنا تقريرًا مهمًا يتحدث عن هجرة عكسية للمصريين خارج المحافظات المليونية، لم تعد القاهرة الكبرى أو الإسكندرية الوجهة الأولى للهجرة الداخلية فقط، بل أصبح ساكنو هذه المحافظات يبحثون عن حياة جديدة خارجها، وجهات مثل جنوب سيناء والبحر الأحمر والوادي الجديد والعلمين الجديدة أصبحت تمثل نقاط جذب لعدد كبير من المصريين، وذلك نتيجة طبيعية لامتلاك هذه المحافظات الجديدة كافة عناصر الجذب السكاني.
إن شئنا الدقة، فنحن نتحدث هنا عن محاور تنمية شاملة، وليس عن مناطق سكنية تقليدية بلا خدمات أو طرق أو وسائل نقل، والفهم الصحيح لمصطلح التنمية الشاملة يبدأ من إدراك أنه ليس عملًا آنيًا يستهدف مكاسب وقتية، بل عمل قومي يستهدف أولًا الحفاظ على الأمن القومي المصري، ثم إتاحة مختلف الفرص للحياة الكريمة لأجيال قادمة من المصريين، مثل الاستثمار وفرص العمل والسكن والخدمات المختلفة طبقًا للمعايير الدولية، دون أن يؤثر ذلك على باقي خطط التطوير والتحديث بالمحافظات القديمة.
ثم تأتي منطقة المشجعين في العاصمة الإدارية كمؤشر ثالث على النجاح، وتبدأ عبقرية فكرة منطقة المشجعين من استغلال عدة عوامل في وقت واحد، أولها تسويق العاصمة الإدارية لدى المواطن البسيط، والقضاء على سردية مدن الأثرياء، وثانيها تسويق المونوريل كوسيلة نقل حضارية ومتطورة، وثالثها استغلال مشاركة منتخبنا الوطني في كأس العالم في جذب المصريين لقضاء تجربة شخصية وملهمة وحماسية.
فالشاب الذي سمع كثيرًا من أهل الشر، ستتغير آراؤه وانطباعاته في اللحظة التي سيلتقط فيها أول صورة داخل منطقة المشجعين، تجربته التي قضاها في المونوريل والعاصمة الإدارية ستغير قطعًا من رأيه الشخصي في أهمية المشروعات القومية، والفرحة والمشاعر الإيجابية التي ربطت بينه وبين هذه المشروعات القومية، وإحساسه بالفارق الكبير بينها وبين غيرها هو الضمان الوحيد لبقائها واستمرارها.
ليبقى الهدف الأهم من منطقة المشجعين، أنه حجز للعاصمة الإدارية مكانًا مميزًا في وجدان جميع من خاضوا هذه التجربة، والشيء الذي تربطه بالعقل اللاواعي للفرد يبقى ويستمر، لأنه أصبح جزءًا من حياته وتكوينه النفسي والشخصي، مصر 2030 بدأت تتحول من أفكار على الورق إلى حياة يعيشها كل المصريين، وهذا هو أول الطريق نحو مصر الكبرى، مصر التي نحلم بها جميعًا.