رسائل من الهجرة
الهجرة النبوية ليست مجرد حدث تاريخي نستعيد ذكراه كل عام، بل الهجرة مدرسة متجددة تحمل من الدروس والمعاني ما تحتاجه الأمة في كل عصر، ومن أعظم رسائلها ذلك الشعار القرآني الخالد: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾، ففي الوقت الذي يعيش فيه كثير من الناس اليوم تحت وطأة القلق والإحباط واليأس، تأتي الهجرة لتغرس في النفوس معاني الثقة بالله وحسن التوكل عليه، وتؤكد أن الشدائد مهما اشتدت فإن الفرج بيد الله وحده.
لقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه أبو بكر -رضي الله عنه- في موقف بالغ الصعوبة داخل غار ثور، وقد أحاطت بهما الأخطار من كل جانب، حتى إن المطاردين وصلوا إلى باب الغار، ومع ذلك لم يفقد النبي -صلى الله عليه وسلم- هدوءه ولا يقينه، بل قال لصاحبه: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما»، وهناك تجلت حقيقة المعية الإلهية التي صنعت الطمأنينة في قلب أبي بكر، وأصبحت درسًا خالدًا لكل من يواجه أزمة أو محنة، فالمؤمن لا يستسلم للخوف ولا يغرق في مشاعر الهزيمة، وإنما يأخذ بالأسباب ويوقن أن تدبير الله فوق كل تدبير، وأن رحمته أوسع من كل كرب.
والهجرة في حقيقتها ليست انتقالًا من مكان إلى مكان فحسب، وإنما هي انتقال من حال إلى حال، ومن ضعف النفس إلى قوتها، ومن المعصية إلى الطاعة، ولذلك فإن المسلم مطالب بأن يهاجر من الذنوب والأخلاق السيئة، وأن يستبدل بهما الصدق والأمانة والاستقامة، وقد لخّص النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا المعنى بقوله: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» فالهجرة الحقيقية تبدأ من القلب، ثم تظهر آثارها في السلوك والمعاملة والعلاقات مع الناس.
ولقد كان أول عمل قام به النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد وصوله إلى المدينة هو بناء المسجد، ليكون منارة للعبادة والتربية والإصلاح، فالمسجد يغرس قيم الرحمة والعدل والتعاون، ويقوي روابط الأخوة بين الناس، ولا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للفرقة والتشدد والتزمت والصراع والأدلجة.
ومن الدروس العظيمة كذلك ما جسده علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حين بقي في مكة ليرد الأمانات إلى أصحابها، وفي ذلك تأكيد على أن الأمانة قيمة لا تتجزأ، وأن الخلاف مع الآخرين لا يبرر ظلمهم أو الانتقاص من حقوقهم، بل يبقى العدل واجبًا مع الموافق والمخالف على السواء.
ومن المهم أن نحذر من بعض القراءات الخاطئة للهجرة النبوية، حين يحاول البعض إسقاط أحداثها على واقعهم الخاص دون مراعاة للفروق بين الأحوال والظروف، فالهجرة كانت نصرة للتوحيد والدعوة إلى الله، ولم تكن نتيجة أخطاء في التخطيط أو سوء تقدير للواقع. ولذلك لا يصح أن يجعل الإنسان من كل فشل أو أزمة يمر بها صورة مماثلة لما تعرض له رسولنا الكريم وأصحابه، فالهجرة كانت ابتلاءً أعقبه نصر وتمكين، وهي تعلمنا الصبر والأخذ بالأسباب وحسن قراءة الواقع، لا الاتكالية أو توظيف السيرة في غير مواضعها.
وهكذا تبقى الهجرة النبوية مصدر إلهام متجدد، وتعلمنا الأمل عند الشدة، والثبات عند المحنة، والاستقامة في السلوك، والعدل في التعامل، لتظل رسالة الهجرة حية في النفوس، لا ذكرى عابرة.