الإخوان والفن.. شهور من المسكنة

حاتم جمال

حاتم جمال

كاتب صحفي

في بداية حكم الجماعة الإرهابية لمصر كان الفن محور اهتمامهم، يرون فيه السلاح الصامت الذي يغير الأوضاع ويقلب الموازين، وفي نفس الوقت لا يريدون الصدام مع القوى الناعمة بل يريدون التسلل إليه من أبواب خلفية ثم السيطرة على مفاصله وفرض رؤاهم وأسلوبهم واستخدامه كسلاح لتغيير المجتمع ومحو الهوية البصرية والثقافية لهوليوود الشرق، مستعينين ببعض عناصر الجماعة المنتمين إليها أو المتعاطفين معها وهم كثر في مجال الإعلام ساعتها يستترون ويخفون انتماءهم ولكنهم موجودون حتى ولو لم يكونوا قيادات في ذلك الوقت قبل ثورة 30 يونيو التي طهرت هذه النماذج.

كان المسؤول الأول عن ملف الفن في الجماعة شخصًا يدعى سيد درويش لم يعرف عنه الوسط الفني أي معلومات إلا عقب وصول الجماعة الإرهابية إلى الحكم في مصر، وكان «سيد» وأعوانه يطوفون ويجولون في كل مراكز القيادة داخل الوسط الفني لإرسال رسائل طمأنة للوسط وأنهم مهتمون بجميع أنواع الفنون ويكفلون حرية الإبداع للجميع.

ومن بين هذه الجولات أقيمت ندوة كبيرة عن الفن والإبداع في زمن الإخوان بمجلة «الكواكب» في مطلع عام 2012 وتم اختيار «الكواكب» لأنها المجلة الأقدم والأعرق في المنطقة، كنت ساعتها سكرتير تحرير للمجلة وحضرها عدد كبير من أهل الفن منهم نبيلة عبيد ومحمود ياسين والسيناريست وليد يوسف والموسيقار حسن شرارة وغيرهم، ومن المجلة الأستاذ هشام الصواف رئيس التحرير وعدد من الزملاء وتزعم الإخوان سيد درويش واثنان معه لا أتذكر اسميهما، ورغم أسئلة نجوم الفن التي كانت تحرج الجماعة وتفضح فكرهم إلا أن «سيد» كان يراوغ ويصر على طمأنتهم بأن الإبداع والفن لن يتأثرا، كنت أرى الندوة أشبه بمسرحية هزلية يحاولون فيها إظهار الجماعة راعية الفنون وأنهم منذ نشأتهم يهتمون بالمسرح والغناء وأن من أعضاء الجماعة من عملوا نجومًا في السينما، كل هذا الكلام كان بالنسبة لي محاولة لوضع المساحيق لتجميل وجه الجماعة، والغريب أن بعض النجوم اقتنع أو صدر لنا أنهم مقتنعون بما يقال.

لم تكن ندوة «الكواكب» الوحيدة في محاولاتهم لاختراق الوسط الفني، بل كانت انتخابات نقابة المهن التمثيلية محكًا أساسيًا لهم فقد ظنوا أن النجم الراحل أشرف عبد الغفور المعروف بانضباطه الفني والأخلاقي والمهني سيسهل السيطرة عليه وبالتالي على النقابة، لذا حاولوا دعمه في انتخابات النقابة بشكل غير مباشر، وربما يكون هو نفسه لا يعلم أنهم حاولوا دعمه، وعندما فاز كانت له مواقف جلية ضد رغبات الجماعة.

الأمر لم يتوقف عند هذا، بل حاول سيد درويش اختراق مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وقد كنت موجودًا في إدارة المهرجان أثناء وجوده ومحاولاته زيادة دعوات الافتتاح لعناصر من الجماعة والدخول في أسئلة عن الأفلام والعروض، وهنا وقفت أمامه المرأة الحديدية بالمهرجان السيدة سهير عبد القادر التي جعلته يجلس بالساعات بجوار باب إدارة المهرجان في شارع قصر النيل دون إجابة أو حتى الرد عليه، وكان رد فعله أن كل هذه الأمور ستتغير الدورات القادمة.

الأوبرا كانت محط أنظار الجماعة فحاولوا اختراقها من خلال مسكنتهم وأنهم يحترمون الفنون الرفيعة مع بداية حكمهم، فقد أجريت حوارًا مع الدكتورة إيناس عبد الدايم رئيس دار الأوبرا ساعتها وقالت إنهم فصيل في المجتمع المصري وأن عناصر من الجماعة يحضرون عروض الأوبرا، وعقب الحوار سألتها ماذا سيفعلون بالأوبرا فردت: «آدينا هنشوف... مش هنسبق الأحداث» وكأنها تستشرف ماذا ستفعل «الإرهابية» في الأوبرا بعد تمكنهم من الحكم.

أما المسرح فقد تم اختراقه بالفعل لدرجة إقامة عرض مسرحي إخواني على مسرح الهناجر.

هذه بعض مشاهداتي لعدة أشهر من حكم الإخوان ومسكنتهم للسيطرة على الفنون في مصر، وفي المقال القادم سأسرد ماذا فعلوا بعد أن ظنوا أنهم المتحكمون في مقاليد الأمور وما فعلوه من إفساد داخل الفن المصري وشركة الإنتاج التي ستنتج مسلسلًا عن «حسن البنا» لتجميل الصورة بعد أن فضحهم وحيد حامد في الجزء الأول من مسلسل «الجماعة».

وللحديث بقية.