مصر تلتزم بوعودها

فى كثير من الأحيان ننظر إلى أزمة انقطاع الكهرباء كحدث عابر، لكن الحقيقة التى يجب أن نضعها نصب أعيننا كمواطنين هى أن الكهرباء لا تأتى من فراغ، وأن استقرارها مرتبط بشكل عضوى بملف قد يبدو بعيداً عن أذهاننا، وهو سداد مستحقات شركات الاستكشاف والإنتاج الأجنبية.

الاستثمار فى قطاع البترول والغاز هو شراكة قائمة على الثقة والالتزام المالى، ولطالما كانت تراكمات المديونيات لشركات الاستكشاف العالمية عائقاً أمام ضخ استثمارات جديدة أو تسريع عمليات الإنتاج، واليوم عندما تتّخذ الدولة قراراً بأولوية سداد هذه الالتزامات، فهى تشترى أمنها الطاقى، وعندما تلتزم مصر بالسداد فهى تعيد وضع نفسها على خريطة الاستثمارات الجاذبة، وهو ما يُحفّز هذه الشركات على تكثيف عمليات الحفر والتنقيب، وهذا السداد هو المفتاح الذى يضمن تدفّق الغاز لمحطات الكهرباء.

وتصريحات المسئولين بعدم انقطاع الكهرباء هذا العام ليست مجرد طمأنة، بل هى انعكاس لقدرة الدولة على تأمين السيولة اللازمة لسداد هذه الالتزامات رغم الضغوط الاقتصادية العالمية.

ونحن اليوم ندفع فاتورة استقرارنا المالى، ونختار بين الحفاظ على مواردنا وبين المجازفة بمستقبل إمداداتنا، وكمواطنة أرى أن الالتزام بسداد ديون الشركاء الأجانب فى هذا التوقيت هو شهادة استحقاق لقوة الدولة، فنحن نُدرك أن هذه القرارات الضمانة الوحيدة لنظل نتحكم فى أمننا الطاقى، فالاستقرار ليس هدية، والقدرة على السداد فى مواعيدها هى التى تجعلنا نصمد فى مواجهة أزمات الطاقة التى تضرب العالم من حولنا.

وفى النهاية، سداد التزامات شركات الاستكشاف هو الاستثمار الحقيقى فى مستقبل كل بيت مصرى، فهو يضمن بقاء المحطات تعمل، ويحفظ حقنا فى استغلال مواردنا، ويؤكد للعالم أن مصر تظل ملتزمة بوعودها.

إن الدولة المصرية اليوم تدرك أن مصداقيتها المالية هى رأسمالها الحقيقى فى وقت تتصارع فيه الدول على تأمين موارد الطاقة، وتلك الخطوات الجريئة فى سداد مستحقات الشركاء هى بمثابة صمام أمان يفتح أفقاً جديداً لاستدامة التنمية.

ومع التزامنا بالوفاء بالعهود نضمن لأجيالنا القادمة أرضية صلبة ننطلق منها نحو مستقبل يليق بمكانة مصر وقدراتها الحقيقية فى هذا القطاع الحيوى، الذى يظل دوماً هو الشريان المغذى لكل أشكال الحياة والتطور فى جمهوريتنا الجديدة.