ياسمين عبدالله: «القاهرة» تمنح أسرارها لمن يحبها.. و«الإسكندرية» تخفي حكاياتها

كتب: ياسر الشيمي

ياسمين عبدالله: «القاهرة» تمنح أسرارها لمن يحبها.. و«الإسكندرية» تخفي حكاياتها

ياسمين عبدالله: «القاهرة» تمنح أسرارها لمن يحبها.. و«الإسكندرية» تخفي حكاياتها

تسير ياسمين عبدالله في شوارع المدن كما يسير المنقب في طبقات الأرض، تلتقط ما يغيب عن العين، وتنصت إلى الأصوات المختبئة خلف المشربيات والتماثيل والأفنية والرياح، تمنح الحجر قدرة على الكلام، وتعيد إلى البيوت القديمة نبض سكانها، فتصبح العمارة سيرة بشرية، ويتحول التاريخ إلى حكاية تمشي بين الناس لا صفحات جامدة داخل الكتب، في عالمها، لا تقف القاهرة عند حدود المآذن والقصور، ولا تتوقف الإسكندرية عند البحر والكورنيش، إنما تمتد المدينتان إلى ذاكرة حية تتشكل من التفاصيل الصغيرة التي تحفظ روح المكان وتحمل ملامح من عاشوا فيه.

صاحبة «رحلة تناجرا»: أعبر من بوابة «التفاصيل الصغيرة» إلى روح المدن


■ فى «بيوت القاهرة» تنطلقين من البيت كحيز صغير لفهم المدينة الكبيرة، بينما فى «رحلة تناجرا» تنطلقين من تمثال صغير لاستكشاف مدينة الإسكندرية.. ما الذى دفعكِ لاختيار هذين «المدخلين» المختلفين لفهم المدينتين؟

- لا يمكن إغفال دور التفاصيل الصغيرة فى كونها مُلهمة كمدخل للمدن، لكن حالتى فى كتاب بيوت القاهرة مختلفة تماماً عن حالتى فى كتاب «إسكندرية فين: رحلة تناجرا».

كتاب «البيوت» كان العمل الأول، وكان عن مدينة القاهرة التى أحبها وأنحاز إليها وأشعر أنها تتحدث معى وتُمرر لى حكاياتها وأننى قادرة بمنتهى السهولة على فهم لغتها، وهى لا تزال تحتفظ بأغلب تفاصيلها قياساً بالحالة السكندرية الحالية، وأيضاً لأن بالتأمل فى القاهرة سنجدها أُنشئت أصلاً فى زمن الفاطميين لتحوى قصر الخليفة الفاطمى وبيوت حاشيته المقربة، يعنى كانت أشبه بمجمع سكنى فخم وخاص، هذا بجانب وجود بعض البيوت والتكايا والمقاعد والوكالات والرباع وحتى بيوت أمراء المماليك وبقايا مداخل قصورهم؛ فى القاهرة كل أشكال السكن والمبيت القديمة حاضرة بالفعل، وتشبه قطع الفسيفساء الصغيرة التى ما أن تجمعها إلا وستجد نفسك أمام مدينة بالفعل تمنحك شعور البيت.

1

فى كتاب «رحلة تناجرا» الأمر مختلف، هو كتابى الثانى، وفيه أُعبر عن رؤيتى أنا الخاصة للمدينة التى أعيش فيها وأنتمى اسمياً ومكانياً لها لكنى لا أحبها بالقدر الكافى الذى يجعلنى أتعرف عليها بالفعل أو أحاول حتى استكشافها فى نطاق أبعد من العشرة كيلومترات التى (أستخدمها) فى تنقلاتى داخل المدينة؛ من البيت للمكتبة أو لمحيط القلعة وحى المنشية فى حالات نادرة، لذلك شعرت بالتوحد فى لحظة ما مع تماثيل التناجرا فى زيارة عابرة للمتحف اليونانى الرومانى؛ هذه التماثيل تصور النساء والأطفال، لكنى كنت مهتمة بحالة النساء بملابسهن التى تبدو وكأنها صُممت خصيصاً لتُعيق حركتهن، مع استرجاع حقيقة أن النساء لم يمتلكن حريات كبيرة فى المجتمع اليونانى القديم، وبطبيعة الحال فى الإسكندرية القديمة التى كانت تمثل جزءاً من العالم اليونانى، لذلك كانت تماثيل التناجرا -التى كانت الإسكندرية واحدة من أهم مراكز صناعتها قديماً- تُشبهنى فى جزء التقيُّد؛ هى مُقيدة لأنها محكومة بالعادات والعرف المجتمعى، وأنا مُقيدة بإرادتى الخاصة لأنى لا أحب المدينة ولم أحاول أبداً استكشافها، عكس علاقتى بالقاهرة التى أستمتع بالتيه فيها.

■ القاهرة والإسكندرية مدينتان فى سيرة واحدة.. كيف تقارنين بين منهجية كتابتكِ عن القاهرة «عبر البيوت» ومنهجية كتابتكِ عن الإسكندرية «عبر التماثيل»؟ وهل تعتقدين أن طبيعة كل مدينة فرضت عليكِ منهجاً مختلفاً، أم أن التجربة نفسها تطورت؟

- كل مدينة تفرض طريقة كتابة مختلفة تبعاً لحالتها، فالقاهرة يكفيك أن تمشى فى شوارعها لتجد نفسك فى حديث طويل مع عماراتها وبناياتها وبالتالى أنت بشكل أو بآخر على صلة وثيقة بها وبتاريخها وتشعر أنك تعرفها؛ القاهرة مدينة مُتكلِّمة لأن حكايتها وكل عصورها حاضرة وموجودة فى مبانيها وأُفقها ولا تزال ممتدة وحاضرة كمكان معيشة أو كمحيط لكثير من القاهريين (شارع المعز مثلاً؛ هو الشارع الأقدم والأكثر امتلاءً بمبانى القاهرة التاريخية العظيمة وبالتالى هو الأكثر قدرة على سرد حكاية المدينة، وفى نفس الوقت يعيش فيه بعض من أهل القاهرة، فى جيرة مع البيوت والمدارس والمساجد الأثرية)، عكس الإسكندرية التى دوماً كانت بالنسبة لى مدينة خرساء بلا صوت، لأن حكايتها مبتورة لأن المدينة نفسها غرقت أو احترقت أو دُمرت أو دُفنت، لذلك فى الإسكندرية أنا كنت أستنطق الحكاية من الكتب ومن بقايا المدينة القديمة ومن الشوارع وتساؤلاتى عما يمكن أن يكون مدفوناً تحتها، وحتى من الريح، الحكاية فى الإسكندرية لا تُقدم نفسها لك بل يجب عليك البحث عنها وسردها لتمنح للمدينة صوتاً، وطبعاً التجربة الثانية مختلفة لأن ظروف العمل مختلفة؛ الكتاب الأول ضمن سلسلة مختلفة تماماً عن الكتاب الثانى الحر.

■ اعتمدتِ فى «رحلة تناجرا» على مؤرخين أجانب مثل هيرودوت وسترابو وديودورس الصقلى.. إلى أى مدى يمكن اعتبار هذه المصادر موضوعية فى نقل تاريخ الإسكندرية، وهل هناك مصادر مصرية موازية يمكن أن تقدم رواية مختلفة؟

- بالفعل هذا حقيقى، واعتمدت عليهم من حيث قربهم الزمنى للمدينة القديمة، ومن حيث أوصافهم التى تتناول تلك المدينة بالتفصيل بشوارعها ومبانيها وتعداد سكانها وحتى اتجاه الريح فيها، وفى رأيى سترابو هو الأكثر دقة لأنه جغرافى ولأنه جداً دقيق وله باع فى الكتابة الجغرافية بالذات كتابه عن الجزيرة العربية، لكن لا يمكن إنكار أهمية شهادات المؤرخين الآخرين.

أما فيما يتعلق بالمؤرخين المصريين، فيبرز اسم مانيتون السمنودى على أنه المؤرخ المصرى الأشهر فى زمن البطالمة، لكن كتابه كان عن مصر وحضارتها كان باليونانية، وكان بتكليف من الملك البطلمى، وحتى إن هذا الكتاب اليوم مفقود، لذلك الاعتماد الأكبر كان على المؤرخين اليونان والرومان.

■ تنتهى «رحلة تناجرا» بوصف الإسكندرية الحالية بأنها أصبحت «مدينة عشوائية» حتى البحر تم حجبه عن الأنظار.. أيمكن اعتبار كتابكِ هروباً من هذا الواقع القبيح إلى ماضٍ أكثر جمالاً، وكيف يمكن توظيف هذا الماضى لتحسين الحاضر؟

- لا بالعكس، هو استحضار الماضى لفهم الحاضر وأسباب تراجعه وعدم رضائنا عنه؛ الإسكندرية مدينة قديمة، وهى من أقدم المدن فى العالم، وأرى أنها تمتلك احتمالات وفرصاً رائعة للعودة كأجمل مدن العالم من جديد لو أننا ننتبه.

للإسكندرية سمعة عالمية كبيرة، يعنى إن سألت أى أجنبى عن الإسكندرية والصورة التى ستتبادر لذهنه فور نطق كلمة الإسكندرية، غالباً لن تخرج إجابته عن الإسكندر الأكبر، أو الفنار، أو المكتبة، أو السكندريين بملابسهم وحُليّهم وتصفيفات شعرهم اليونانية، أو هيباتيا أو مدارس الإسكندرية الفلسفية أو حركة العلم والترجمة فيها. وهذه الصورة الذهنية تطغى حتى على الصورة الذهنية التى تتمسك بسردية المدينة الكوزموبوليتانية الحديثة، بل إن أفواج الأجانب القادمين من أوروبا ومن شتى بقاع العالم للإسكندرية الكوزوموبوليتانية فى حقبة 1900 وما بعدها، قد جاؤوا مُحمّلين بأحلام العمل والتجارة والثراء، وأيضاً بالحنين للمدينة القديمة التى بناها الإسكندر وأضاءت بالفنار والمكتبة والموسيون الدنيا وما حولها. هذه الصورة مع الأسف لا ينتبه إليها السكندريون، ولا يُلقى لها العديد من المهتمين بتراث المدينة بالاً، رغم أنها الأكثر قابلية للاستفادة منها والبناء عليها فى كل عملية تطوير أو تجديد لأنها الروح الحقيقية للمدينة، وأتخيل أن الانتباه لروح المدينة القديمة والعمل على إخراجها للعلن فى صورة تليق بالإسكندرية وأهلها، بدون بكائيات أو نوستالجيا، لكن بنوع من الفخر والاعتزاز والتطلع إلى القادم، واستخدام السمعة العالمية القديمة والممتدة للمدينة القديمة، هى طريقة مُثلى للاستفادة من تاريخ وماضى المدينة.

■ فى نقد لـ«بيوت القاهرة» قيل إن الكتاب لا يحتوى على وصف معمارى دقيق بقدر ما يركز على «روح المكان».. هل هذا توجه مقصود منكِ، أم أن التبسيط كان ضرورياً للوصول لجمهور أوسع؟

- هو كان مقصوداً فى الحقيقة، لأن الأوصاف المعمارية موجودة بالفعل فى الكتب المختصة بعمارة القاهرة وبيوتها وعماراتها، لكن روح المكان كانت دوماً عنصراً مفقوداً فى هذه الكتب. لكن ربما لأن هذه الكتب مصبوغة بصبغة أكاديمية فكان الاتجاه للوصوف الرصينة بعيداً عن روح الأمكنة، لكن القارئ العادى يعنيه أكثر روح المكان وتعنيه الحكاية، وكان مبدأ سلسلة سيرة القاهرة فى العموم هو أن تكون مدخلاً ناعماً وذكياً للقارئ العادى الذى يرغب فى استكشاف القاهرة، وأن تكون أيضاً دافعاً له للبحث والقراءة المتخصصة إن أراد الاستزادة.

2

■ تُشيرين إلى أن لوحات المستشرقين تثبت «التعددية وتجانسها العجيب ليصبح الجميع قاهريين».. كيف يمكن التوفيق بين التعددية والتجانس فى وصف الهوية المصرية؟

- التوفيق بين التعددية والتجانس فى وصف الهوية القاهرية ليس تناقضاً، فى الحقيقة أعتبره سر الخلطة المصرية. القاهرة تاريخياً تملك طاقة هائلة؛ هى لا تلغى هوية القادم إليها، بل تُمصِّره وتُقَهِّره، يعنى تجعله قاهرياً ببطء ونعومة، ولوحات المستشرقين قدمت لنا وثيقة بصرية حية على ذلك؛ فبينما ركّز المستشرق على رصد التنوع الفلكلورى المدهش فى الأزياء والملامح والأصول العرقية والدينية فى أسواق القاهرة وحواريها، فإنه دون أن يقصد، وثّق الانسجام العجيب بينهم.

3


مواضيع متعلقة