محمود الجارحي يكتب: عرب شركس.. الضربة التي كسرت ظهر الإرهاب
محمود الجارحي يكتب: عرب شركس.. الضربة التي كسرت ظهر الإرهاب
من كرداسة إلى عرب شركس.. ومن شوارع القاهرة إلى جبال سيناء.. كانت مصر تخوض بعد ثورة 30 يونيو واحدة من أخطر معاركها ضد الإرهاب.. معركة لم تستهدف رجال الجيش والشرطة فقط.. بل استهدفت بقاء الدولة نفسها.
وفي فجر 20 مارس 2014.. تحولت قرية عرب شركس الهادئة بالقليوبية إلى مسرح لمواجهة حاسمة بين قوات الجيش والشرطة من جانب.. وأخطر عناصر تنظيم «أنصار بيت المقدس» من جانب آخر.. في عملية اعتبرها كثيرون بداية سقوط القيادات الكبرى للتنظيم داخل مصر.
المشهد الأول.. المخزن الغامض
كانت عرب شركس قرية هادئة يعيش أهلها حياة بسيطة كغيرها من قرى القليوبية.. لكن خلف أبواب أحد المخازن المهجورة كانت تدور قصة مختلفة تمامًا.
على مدار أسابيع.. رصدت أجهزة الأمن معلومات خطيرة عن وكر سري تستخدمه عناصر تنظيم «أنصار بيت المقدس» كمركز للاختباء وتصنيع المتفجرات والتخطيط للعمليات الإرهابية.
التحريات كشفت أن المكان لا يضم عناصر عادية.. بل قيادات متورطة في أخطر العمليات التي شهدتها البلاد بعد 30 يونيو.. من بينها استهداف قوات الجيش والشرطة وتفجيرات كبرى هزت الشارع المصري.. ومع اكتمال المعلومات.. بدأت ساعة الصفر تقترب.
المشهد الثاني.. فجر الاقتحام
في الخامسة صباحًا.. تحركت قوات مشتركة من الجيش والشرطة في سرية تامة نحو الوكر الإرهابي.
كانت الخطة تعتمد على عنصر المفاجأة.. لكن ما إن بدأت القوات الاقتراب حتى فتح الإرهابيون النار بكثافة مستخدمين أسلحة آلية ومتفجرات وأحزمة ناسفة.. تحولت المنطقة إلى ساحة اشتباك عنيف.. تقدمت القوات وسط النيران.. بينما حاول الإرهابيون تفجير المكان بالكامل لمنع القبض عليهم.
ورغم شراسة المواجهة.. واصلت القوات التقدم مترًا بعد متر.. حتى نجحت في اقتحام الموقع والسيطرة على أجزاء كبيرة منه.
المشهد الثالث.. ليلة سقوط الكبار
داخل الوكر اكتشفت القوات أنها لا تواجه خلية عادية.. كان بين القتلى والمضبوطين عدد من أخطر قيادات التنظيم الإرهابي.. بينهم مسؤولون عن التخطيط والتجهيز والتصنيع والتنسيق للعديد من العمليات الإرهابية.
وكشفت التحقيقات لاحقًا أن بعض هؤلاء كانوا متورطين في استهداف حافلات الجيش وكمين مسطرد وتفجير مديرية أمن القاهرة واغتيال ضباط وشخصيات عامة.. لأول مرة تتلقى الشبكة الإرهابية ضربة بهذا الحجم داخل قلب الدلتا.
ووصف مسؤولون أمنيون العملية وقتها بأنها "ليلة سقوط الأربعة الكبار" بعدما فقد التنظيم عددًا من أهم عناصره القيادية دفعة واحدة.
المشهد الرابع.. مخزن الموت
بعد انتهاء الاشتباكات.. بدأ خبراء المفرقعات تمشيط الموقع.. ما عثروا عليه كان كفيلًا بكشف حجم الخطر الذي كانت تواجهه البلاد.
أطنان من المواد شديدة الانفجار.. أحزمة ناسفة.. عبوات جاهزة للتفجير.. قنابل يدوية.. مفجرات كهربائية.. سيارات معدة للعمليات الإرهابية.. وخرائط لمنشآت أمنية وحيوية.. كان الوكر أشبه بمصنع متكامل للموت.
وأكدت التحقيقات أن العناصر الإرهابية كانت تخطط لسلسلة جديدة من الهجمات تستهدف منشآت أمنية وعسكرية وشخصيات عامة بهدف نشر الفوضى وإرباك الدولة.. لكن العملية أجهضت تلك المخططات قبل تنفيذها.
المشهد الخامس.. انتصار الدولة
لم تكن عرب شركس مجرد مداهمة أمنية ناجحة.. كانت رسالة واضحة في واحدة من أصعب مراحل تاريخ مصر بعد ثورة 30 يونيو.. رسالة مفادها أن الدولة قادرة على الوصول إلى أخطر البؤر الإرهابية مهما حاولت الاختباء.
دفعت القوات المسلحة والشرطة ثمنًا غاليًا في تلك الحرب وسقط شهداء خلال المواجهة.. لكن الضربة التي وُجهت للتنظيم ساهمت في تفكيك شبكاته وكشف مخططاته وإحباط العديد من العمليات قبل وقوعها.
وبعد شهور من التحقيقات والمحاكمات أصدرت المحاكم العسكرية أحكامها بحق المتورطين في القضية.. ونُفذت الأحكام بعد استنفاد درجات التقاضي.
ومع مرور السنوات.. بقيت عرب شركس واحدة من المحطات الفاصلة في الحرب على الإرهاب.. وواحدة من المعارك التي أكدت أن مصر بعد 30 يونيو اختارت المواجهة لا المهادنة.. وأن رجال الجيش والشرطة كانوا دائمًا في الصف الأول دفاعًا عن الوطن.