ربما عليك الرحيل الآن!
تعيش في مكان تحبه، يحمل ذكرياتك، ويحيط بك كل من تحب، لا تتصور حياتك بعيداً عن تلك البقعة، ولا هؤلاء الأشخاص، يبدو لك الخروج من هذا كله كشعور سمكة لا تقدر حقاً على الخروج من الماء، لكنك في الوقت ذاته تعاني، لا تتوافق أي من أهدافك، أو خططك أو رسالتك التي تحملها في قلبك بالفطرة مع أي مما يجري حولك، تحاول أن تشرح فيفاجئك التجاهل، تجتهد في التوضيح والمحاولة، فيصدمك العداء، تلهث كي تحتفظ بنقائك وسلامك النفسي دون أن تفقد محيطك الآمن، فتجدك في عين عاصفة، وعليك الاختيار إما البقاء في أوضاع ستبقى حتماً على ما هي عليه، أو الهروب نحو المجهول!
حسناً، هل تعيش في مكان أو علاقة، أو سياق تشعر فيها بعدم الارتياح؟ تعجز عن الجهر بما في نفسك خشية العواقب، كلما بدأ ما تسعى لأجله ينجح توضع في وجهك العقبات، وتكتشف أن ثمة تآمراً عليك، تجدك وقد تأذيت نفسياً وربما بدنياً؟ ربما الإجابة ليست لديّ أنا وإنما لدى سيد الخلق أجمعين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ربما الإجابة في تأمل أسباب هجرته من «أحب أرض الله إلى نفسه»، أتأمل حديثه الشريف وهو يقول: «ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت»، والإخراج هنا لم يكن «طرداً» لم يطلب منه أحد أن يغادر، بالعكس، لقد استبقوه وأرادوا أن يظل منهم ومعهم كما اعتادوا بالطريقة التي وجدوا عليها آباءهم، في النطاق الآمن، وكانت وسيلتهم إلى ذلك التضييق عليه والإساءة إلى من أسلم معه «لولا أني أُخرجت منك ما خرجت».
ومن يرغب في الخروج يا رسول الله؟ التغيير صعب والخروج من الدوائر المعتادة مرعب، ومواجهة ما لا يعرفه المرء أمر عظيم، لكنني ومع كل بداية لعام هجري جديد أتذكر الدرس من جديد، ليس المرء مطالباً بالبقاء للأبد في مكان يؤذيه ويعطله، ليس التحمل دائماً بطولة، ولا تقبل الإهانة أو الإيذاء قوة أو سمو أو أصل طيب، في الواقع هو «ظلم للنفس» بوصف القرآن الكريم.
ما جرى في الهجرة من واقع علم النفس هو مجموعة من الإجراءات الحاسمة، كان «انسحاباً صحياً» من بيئة تسبب الأذى النفسي والجسدي بهدف حماية الذات، وكان «وضعاً للحدود» بعدم السماح باستمرار سلوك الإيذاء عبر المغادرة وتقليل التواصل، وكان «حفاظاً على الذات» عبر اختيار حماية السلامة النفسية والعاطفية، وكان أيضاً «فك ارتباط» عبر التحرر من مكان محبوب لكنه صار مؤذياً.. هكذا الأمر إذاً مع البيئات السامة، لا تجدي معها الخطب العصماء ولا المحاولات المضنية، ولا الصدق والإخلاص، حتى محمد صلى الله عليه وسلم لم يقدر على المواصلة في بيئة سامة فغادرها!
لست سمكة ولست تعيش في الماء، لا يكون الأمر سهلاً عادة، ترك المهاجرون أموالهم ومنازلهم وتجارتهم وعائلاتهم، وترك الرسول أحب أرض الله إلى الله، لكنهم اختاروا أنفسهم، لكل قرار ثمن، وليس أغلى من النفس على المرء إن أراد لها ما فيه صلاحها وراحتها.
في خضم المعاناة، وآلام الفقد والرحيل، والأثمان الباهظة لـ«شراء النفس»، يغفل كثيرون أنه عادة ما يكون بداية لأمور لم تخطر على بال، حالة يصفها باولو كويلهو في روايته «الزهير» بقوله: «إن كنت شجاعاً بما يكفي لتقول وداعاً، فستكافئك الحياة بتحية جديدة»، الفكرة ذاتها التي أكد عليها الإمام الشافعي في أبياته الرائعة: «سافر تجد عوضاً عمَّن تفارقهُ وَانْصِبْ فَإنَّ لَذِيذَ الْعَيْشِ فِى النَّصَبِ، إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ إِنْ سَال طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ، والأسدُ لولا فراقُ الأرض ما افترست والسَّهمُ لولا فراقُ القوسِ لم يصب، والشمس لو وقفت في الفلكِ دائمة لَمَلَّهَا النَّاسُ مِنْ عُجْمٍ وَمِنَ عَرَبِ، والبدر لولا أفول منه ما نظرت إليه في كل حين عين مرتقب، والتَّبْرَ كالتُّرْبَ مُلْقَى في أَمَاكِنِه والعودُ في أرضه نوعٌ من الحطب، فإن تغرَّب هذا عزَّ مطلبهُ وإنْ تَغَرَّبَ ذَاكَ عَزَّ كالذَّهَبِ» أو ربما لا يحتاج الإقناع لهذا كله، فقط تخيل معي، ماذا لو ارتضى محمد بالدائرة الآمنة وبقي واستسلم، ماذا لو لم يهاجر محمد صلى الله عليه وسلم؟