الصفارة الخضراء لعلاج الألم
أكثر المشاهد إثارة في مباراة كندا وقطر، لم تكن الأهداف الستة، ولا حصار لاعبي كندا للاعبي قطر طوال المباراة، لكنه مشهد اللاعب الكندي إسماعيل كونيه بعد كسر ساقه، التعبير والوصف الصحيح، ليس الأكثر إثارة، لكنه الأكثر رعباً وقسوة، عينا إسماعيل وهو ينظر إلى ساقه لخصت كل شيء، لخصت الخوف على المستقبل، التوهان، الضياع، الإحباط، لأول مرة أشاهد كسراً ظاهراً بتلك الطريقة، وكأنك قطمت غصن شجرة إلى نصفين!!.
منظر مرعب حقاً، لدرجة أن مدرب كندا قال إن صوت تكسر العظام كان مسموعاً من مقاعد البدلاء، وتم نقله إلى المستشفى لإجراء جراحة، اللافت للنظر أن كثيراً من المشاهدين استغربوا هدوء كونيه وهو يلوح للجمهور ويبدو متماسكاً رغم الإصابة، السر كان في جهاز يسمى البنتروكس أثناء نقله على الحمالة بعد الإصابة، والذي تخيله الجمهور زمارة أطفال أحضرها الأطباء لكي ينفخ فيها إسماعيل، ويلهو بها!، هو بالفعل اسمه الشائع الصفارة الخضراء، وأصل التسمية أسترالية، لكن ما هذا الجهاز الذي حير المشاهدين المصريين الذين لم يروا مثله في ملاعبنا، وأعتقد أنه لا يوجد في حقائب معظم أطباء إصابات الملاعب عندنا.
البنتروكس Penthrox هو دواء مسكن للألم يُستنشق عن طريق هذا الجهاز، المادة الفعالة فيه هي ميثوكسي فلوران Methoxyflurane، وهو بالفعل من أسرع مسكنات الألم المناسبة في الملاعب وسيارات الإسعاف، يستطيع المصاب أن يمسك الجهاز بنفسه ويستنشق الدواء، فيبدأ تخفيف الألم خلال دقائق قليلة دون الحاجة إلى حقنة وريدية فورية، يستنشق اللاعب فيه البخار عبر الفم، يبدأ مفعوله عادة بعد عدة أنفاس أو خلال دقائق قليلة، ويستمر التأثير نحو 25 - 30 دقيقة مع الاستنشاق المستمر، وقد يمتد إلى قرابة ساعة إذا استُخدم بشكل متقطع، وهو ليس مخدراً عاماً بالجرعات المستخدمة لتسكين الألم، لكنه قد يسبب دوخة، وشعوراً بالاسترخاء أو النعاس، وأحياناً إحساساً بالنشوة أو الانفصال عن الألم، لذلك ترى بعض اللاعبين يبدون «شاردين» أو مبتسمين بعد استخدامه، مثلما حدث مع إسماعيل كونيه بعد نظرات الرعب عاد لهدوئه، يفضله أطباء الملاعب في مثل تلك النوعية من الكسور لأنه سريع جداً، ولا يحتاج إلى تركيب محاليل أو حقن وريدية فوراً، وصغير الحجم وسهل الحمل.
لكن لا بد من الوعي بأنه مع الاستخدام المتكرر أو بجرعات كبيرة قد يؤثر في الكلى أو الكبد، لذلك يُستخدم بجرعات محددة وتحت إشراف طبي فقط، لا يُعطى لبعض المرضى الذين لديهم أمراض كبد أو كلى أو حالات طبية معينة، لكن بمزيد من البحث وجدت أن أستراليا هي أكثر بلد معتاد على مثل هذا المشهد، وتعتبر الصفارة الخضراء عند جمهور أستراليا مألوفة، ولأن استخدام البنتروكس في الرياضة شائع أكثر في رياضات الرجبي والكريكيت، وهي رياضات أسترالية ونيوزيلاندية بامتياز، فأطباء الملاعب هناك يحملونه ضمن معدات الطوارئ القياسية، يستخدم مع لاعبي الرجبي الذين يتعرضون لكسور أو خلع في الكتف أثناء المباريات، وهناك مقاطع عديدة انتشرت للاعبين وهم يستنشقون «الصفارة الخضراء» أثناء خروجهم من الملعب، وأحياناً يظهرون هادئين أو حتى مبتسمين رغم الإصابة الشديدة بسبب التأثير السريع للمسكن.
وفي بطولات الرجبي الدولية، توصي بروتوكولات الرعاية الطبية باستخدام البنتروكس للكسور والإصابات الحادة عندما يكون المصاب واعياً وقادراً على الاستنشاق بنفسه، وفي أستراليا يُستخدم أيضاً مع عدد من لاعبي دوري لاعبي كرة القدم الأسترالية (AFL) بعد كسور الأطراف أو خلع المفاصل، ولقد أصبح منظر «الصفارة الخضراء» مألوفاً للجماهير الرياضية هناك، باختصار البنتروكس طفاية حريق سريعة، أما المورفين فهو سيارة إطفاء كاملة تحتاج الاتصال بالشرطة، وتجهيز المعدات.