معارضة أم مؤامرة؟

يصف بعض المتحذلقين من الكُتاب المحدثين أن «مسجد ضرار»، الذي شكّل نقطة تجمُّع للمنافقين، يمثل مركزاً للمعارضة التي تنامت ضد سيطرة المكيين على المدينة، وهي قراءة إن لم توصف بالسذاجة، فلا أقل من أن نصفها بـ«المغرضة». فالنبي لم يكن ملكاً ولا صاحب سلطة تنمو في مواجهته معارضة تريد أن تزيحه عن مكانته، لقد عرض مشركو مكة أن يُملِّكوه عليهم فأبى، لأنه نبي مرسل كلَّفه الله تعالى بتبليغ رسالته إلى الناس، فمحمد كان نبياً آمن به من آمن وكفر به من كفر، وأخلص له من أخلص ونافقه من نافق، وقد كان يكتفي دائماً بأن يبلغ ما أُوحِي إليه من ربه ويترك لمن حوله الفرصة كاملة ليؤمنوا به أو لا يؤمنوا، وهو لم يتحرك للقتال إلا في الحالات التي حِيل فيها بينه وبين إبلاغ دعوته، أو رداً لاعتداء وقع عليه أو على حلفائه، أو ردعاً لعدو يفكر في التحرك لقتاله، مثلما حدث في غزوة تبوك، حين تحرك لقتال الروم الذين كانوا يستعدون للهجوم عليه في المدينة، بالتواطؤ مع منافقي «يثرب» الذين كان يديرهم أبو عامر الراهب، الرجل الذي عاش سنين على الوثنية وأبى أن يدخل الإسلام وهرب إلى مكة مع مجموعة من الأوس وقاتل ومن معه إلى جوار المشركين حتى تمكن النبي من فتح مكة، وبعدها هرب إلى الشام وتنصَّر وأصبح على دين هرقل.


لم يكن مسجد ضرار منصة معارضة بل كان مركزاً لتجمع المتآمرين على النبي والمسلمين، وتشير كتب السيرة إلى أن النبي اكتفى بإرسال كل من عاصم بن عدي ومعه مالك بن الدخشم فأحرقا مسجد ضرار ببني عمرو بن عوف بالنار، وأوكل أمر المتآمرين إلى الله. أما أبو عامر الراهب، فبعد أن باءت مؤامرته بالفشل، وخشى الروم الخروج لملاقاة النبي بعد وصوله إلى تبوك، ومكث عدة أيام هناك دون أن يتحرك الروم، عاد بعدها إلى المدينة، قرر أبو عامر الهرب من الشام إلى الحبشة، ليعيش هناك في رحاب النجاشي، بعد أن لم يعد له مأوى في جزيرة العرب. وقد شاء الله أن يلقى حتفه هناك سنة 9 هجرية.


شاء الله أن تكون غزوة «تبوك» آخر غزوة يخرج فيها النبي، صلى الله عليه وسلم، وقد صعدت روحه الشريفة إلى الرفيق الأعلى بعدها بسنتين أي سنة 11 هجرية، وضاع ذكر أصحاب مؤامرة ضرار في عهد أبي بكر الصديق، لكن ظهر اسم واحد منهم -بشكل مفاجئ- في عصر عمر بن الخطاب، وهو مجمع بن جارية، الذي اختاره المنافقون إماماً لمسجد ضرار. يقول «ابن سعد» في «طبقاته»: «قُتل سعد بن عبيد القارئ إمام مسجد بني عمرو بن عوف في القادسية، واختصم بنو عمرو بن عوف في الإمامة إلى عمر بن الخطاب، وأجمعوا أن يقدموا مجمع بن جارية، وكان يُطعن على مجمع ويُغمز عليه، لأنه إمام مسجد ضرار، فأبى عمر أن يقدمه، ثم دعاه بعد ذلك، فقال: يا مجمع عهدي بك والناس يقولون ما يقولون، فقال: يا أمير المؤمنين كنت شاباً وكانت القالة لي سريعة، فأما اليوم فقد أبصرت ما أنا فيه وعرفت الأشياء، فسأل عنه عمر فقالوا: ما نعلم إلا خيراً، ولقد جمع القرآن وما بقي عليه إلا سور يسيرة، فقدَّمه عمر فصيَّره إمامهم في مسجد بني عمرو بن عوف، ومات مجمع بالمدينة في خلافة معاوية بن أبي سفيان».