السياسة رقعة شطرنج (3)

كرر الفيلسوف النمساوي لودفيج فتجنشتاين استعارة لعبة الشطرنج في مجال السياسة، رابطاً المعنى المفرد لأي اسم بالقضية التي نعالجها في كلامنا أو كتاباتنا، ليشترك اللعب واللغة، بوصفهما ممارسة اجتماعية، مع الشطرنج في عملية تبادل الأدوار بين اللاعبين، واحترام قواعد اللعبة، وفهم السياق العام الذي تتم فيه.


لكن استعارة الشطرنج في عالم السياسة تبدو أشبه بمغامرة، أو تمرين عقلي خيالي، لأن واقع اللعبة غاية في التعقيد، حيث يخبرنا اللاعب الروسي جاري كاسباروف، الذي احتل عرش بطولة العالم للشطرنج بلا منازع طوال 15 سنة، أن البدائل أو الاحتمالات في لعبة الشطرنج، التي لها أبعاد سياسية وحربية وقانونية وفكرية ونفسية وروحية، تصل إلى 10 مرفوعة لـ 120 من الألعاب المحتملة (10^120).

لقد كان الشطرنج في سالف الأيام وسيلة مجدية لإرساء دعائم السلم العالمي، حين يقبل المتحاربان بنتائج مباراة في هذه اللعبة، إلا أنه سرعان ما نُسبت المشاكل السياسية إليه، بعد أن لعبت بها السياسة وغيرت أهدافها النبيلة أو البريئة إلى استعمار مباشر، أو غير مباشر، للدول والمجتمعات، بل أحياناً استعمار للعقول والأفكار التي تدعو إلى النقيض من هذا. ولم تلبث أن زاحمت لعبة «الدومينو» الشطرنج في السياسة الدولية، قبل أن تتحدث وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس عما أسمتها «الفوضى الخلاقة»؛ فنظرية الدومينو ظهرت خلال الحرب الباردة، وتقوم على أنه إذا تشابهت دول في نظم الحكم فإن أي تغيير في نظام منها ستتبعه تغييرات متتالية في البقية، في حالة أشبه بتوالي أو تدحرج قطع الدومينو، حيث إن سقوط إحدى قطع الدومينو على القطع الأخرى التي تليها، يؤدي إلى توالي سقوطها في اتجاه واحد. وتم استعمال هذه النظرية في مجال النظم السياسية المقارنة، لتتوصل إلى نتيجة مفادها أن تقدم درجة الديمقراطية أو تراجعها في دولة معينة ينتشر ويُعدي الدول المجاورة لها.

وأثر الإيمان بـ«الدومينو» على السياسة الخارجية الأمريكية عقوداً من الزمن، فقد أطلقها الرئيس إيزنهاور عام 1954، مجازياً، لإيضاح الأهمية الاستراتيجية لفيتنام، من منطلق اعتقاده في أن فيتنام إن خضعت للشيوعية فسوف تتبعها بلدان جنوب آسيا، وتصبح أستراليا ونيوزيلندا معرضتين للخطر في خاتمة المطاف. وكانت هذه النظرية القوة المحركة للسياسة الأمريكية في أماكن أخرى في العالم، فمثلاً، يبدو أن رونالد ريجان كان يعتقد أنه إذا ربح رجال الساندينيستا في نيكاراجوا فسوف تصبح أمريكا الوسطى شيوعية برمتها، وتبقى تكساس عرضة للخطر. وما جعل الأمريكان يعتقدون في هذا هو ما جرى لبلدان صغيرة سقطت فريسة للعدوان الفاشي في ثلاثينات القرن العشرين.

وربما وجد كاسباروف نفسه أن استعارة الشطرنج في عالم السياسة ليست بهذا الترتيب المحكم الذي كان يدور في ذهنه، فقد حاول اقتحام عالم السياسة بدخوله في منافسة شرسة على الرئاسة الروسية، فلم يجد خصمه مستعداً لمنازلته بالهدوء والعقلانية والحكمة التي تسيطر على لاعبي الشطرنج، إنما أودعه السجن، وأنهى اللعب قبل أن يبدأ، وبذا تبقى الحقيقة المعبرة عن عدم إحكام هذا اللون من الاستعارة أحياناً هي ما قالته كارن روس: «يتعذر التنبؤ بالطابع المستقبلي لهذا العالم.. لقد مضى إلى غير رجعة زمن استغفالنا وجعلنا نرى العالم رقعة شطرنج: مخططاً ومفصلاً وواضحاً، بل سوف يتبدى لنا كما هو في الواقع الفعلي»، لكن هذا لا يمنع أبداً من أن الاستعارة بين السياسة ولعبتي الشطرنج والدومينو ستظل قائمة في التفكير والخطاب السياسي في مختلف الدول بغض النظر عن تفاوت قدراتها.