فاتحة للسندباد
هذا كتاب مهم اكتشفت أهميته أثناء قراءتي له، أهداه لي مؤلفه الأديب محمد عبدالحافظ ناصف، المسؤول الكبير بالثقافة الجماهيرية، ولكن الأهم من هذا أنه كاتب له بصمته، والكتاب عنوانه: «فاتحة للسندباد». مكتوب تحتها: «مختارات قصصية». أي إنه ليس مجموعة قصصية ولكنه مختارات من كل ما كتبه في فن القصة القصيرة. وبالتالي فالإنسان يقرأ هذا الكتاب أو يتعامل معه باعتباره تجربة خاصة في الكتابة الأدبية قبل النشر وبعده.
الغلاف الخلفي عليه كلمة كتبها الدكتور السيد فضل، يقول فيها إن هذه القصص محاولة متميزة للخروج من نمط القص الكلاسيكي والمألوف الذي شاع في بدايات المؤلف وبدايات الكثير من أبناء جيله. فسريعاً ما أدركوا أن المشكلة في القصة القصيرة أكثر من أن تكون محض رسالة، فهناك الشكل وتقنياته الذي ينشغل به المتلقي والناقد، ولقد كتب المؤلف الدراما وأجادها، وها هو يوظفها في هذه المجموعة التي تبدو بعض نماذجها كأنها مسرحية ذات فصلٍ واحد.
إن المؤلف أفاد -كبعض أبناء جيله- من الفنون الحديثة والمعاصرة، واكتسب بالمران خبرة تشكيل المشهد السينمائي والدرامي والتشكيلي والموسيقي، وقد أضفى كل هذا عصرنة على النصوص ودفع بها لمشارف واقعية جمالية دون غموض وارتباك. عرف المؤلف أن القارئ المعاصر مشغول بقضايا الوطن واستثمرها فنياً ووظفها كتابةً، ونجد صدى حاضراً هنا، وكما أن التجريب وقور ورزين ويبتعد عن الغامض والزاعق والمرتبك، فإن تناول المؤلف لما نسميه القضايا الخلافية في الشارع المصري وقور، ولكن الأهم أنه منحازٌ للوطن.
إن هذه المختارات القصصية للكاتب محمد عبدالحافظ ناصف، نشرها له المجلس الأعلى للثقافة، وهو جهة رزينة ومهمة وتضفي على العمل الذي تنشره قيمة أدبية وفنية كبيرة جداً. ومؤلفها يهدي كتابه إلى أمه التي يكرمه الله من أجلها، وإلى هالة مصطفى السكن والوطن، وإلى أخته شريفة التي يعتبرها أمه الصغيرة، وإلى ابنته رؤى التي تشكل الأمل، وإلى المرأة المصرية العربية الرائعة في كل زمانٍ ومكان.
ثم يكتب لمن يهمه الأمر، فإنه يوصيه بهن خيراً. وقد حسدت الكاتب على قيامه بعدد من المسؤوليات الثقافية المهمة في مصر، ومع هذا استطاع أن يحتفظ للكتابة برونقها وجمالها، وأن يتفرغ لها تماماً. فهو قاص وكاتب مسرحي وكاتب أطفال وسيناريست ومترجم وروائي. ورغم أنه من قيادات وزارة الثقافة المصرية الراهنة، إلا أنه يرتب أموره ويرسم حياته حتى يجد الوقت الكافي للقراءة الجيدة التي لا بد أن تنتج عنها كتابة أكثر جودة.
هذه المختارات القصصية لها «فواتح للروح، وفاتحة للقلب، وفاتحة للسندباد، وفاتحة لشارع البحر، وفاتحة لحارة الموناليزا، وفاتحة للورق الأبيض، والمقاعد الخالية، وكلمات سبارتاكوس الأخيرة»، ويكتب جملاً في هذه الفاتحة عبارة عن عناوين أعمال أدبية قرأها وأُعجب بها، ولأن نفسيته ما زالت سليمة وسوية، فهو يكتبها دون حرج، ولا يقول من ألفها، فهو يكتب «كلمات سبارتاكوس الأخيرة، إصبع وحيد في كف الشمس، البحر بيضحك ليه، من حكايات البنت المسافرة». رغم أنه أحد المسؤولين عن العمل الثقافي في مصر، إلا أن كتابته جميلة وتوحي بالتفرغ الكامل لها وإبداعها باعتبارها رسالته للدنيا. رسالته الأساسية والجوهرية، والتي لا يتخلى عنها أبداً.
في قصته التي عنوانها: «وجع المدينة» يكتب كتابة لا نقرأها إلا لمن نشأ في الريف، ثم أمضى باقي حياته في المدينة. نقرأ له:
«صفارة الليل تزعق في الحادية عشرة مساءً فينخلع قلب المحلة، وردية النوم تجرجر نومها ناحية البوابات، بينما وردية 3 تُسرِع ناحية موقف الأوتوبيسات الداخلية التي تأخذهم لقراهم، يختنق ميدان بنزيون بالعمال، تعود ساعة الذروة المسائية، تختلط أصوات المنادين مع الباعة وصنايعية محلات الطعام والشراب الذين ينتظرون انتهاء اليوم بفارغ الصبر للعودة إلى منازلهم».
إنه يحكي لنا حكياً قائماً على تفاصيل من الحياة اليومية التي يحياها ويكتبها بحب حقيقي، سواء لمن يكتب عنهم أو من يكتب لهم. وهذا من النادر أن نجده في الكتابة الأدبية في هذه الأيام.