إلى الدكتورة «سحر السنباطي»
غالبية الأطفال في السنوات الأولى من أعمارهم يتصرفون بنفس السلوكيات، نفس البراءة والعفوية، الأحلام المتشابهة بدمية أو طائرة، نفس المخاوف من الظلام، من غياب أنفاس الأم، نفس الاحتياج العاطفي والاجتماعي للأسرة، البحث عن «القدوة»، حتى قصص الغرام البريئة.
حتى سن المراهقة لا تعرف الطفلة أن «الرقص» عيب، ولا يجرّم الولد أوراقه الملونة باسم زميلته في الفصل.. لكننا على ما يبدو فقدنا البراءة، كل شيء في حياتنا تحوّل إلى سلعة.. حتى «الأحلام».. إنه عالم السوشيال ميديا!.
في عالم السوشيال ميديا لكل شيء مقابل، (على اليوتيوب أو إنستجرام أو تيك توك.. إلخ)، العِبرة هنا بعدد المتابعين ونسب المشاهدة، بغض النظر عن «قيمة المحتوى»: السياسة تتساوى بالعري، والدين بالجنس، والفن بالطهي.. المهم أن تسجل رقماً في نسبة مشاهدة أي حدث حتى لو كان كارثة أو جثة.
تحت سن 21 عاماً البنت «طفلة» وإن شئت أن تعجل بنموها الجسماني لسن 18 سنة ستكون قانوناً صالحة للزواج فقط «من الناحية الجسدية»، أما مسؤوليتها أمام الدولة فلا تتجاوز حملها بطاقة رقم قومي وقيادة السيارات، فإن شاءت فتح حساب في البنك أو شراء أملاك (شقة سيارة.. إلخ) لا بد أن يكون الأب «وصياً عليها» فإذا اختفى الأب تنتقل الوصاية إلى الأم أو الجد.. من هنا أبدأ: «أم آسيا» ظاهرة على التيك توك أم لفتاة صغيرة، (لم يظهر لها أب)، تتاجر بجسد بنتها وتستعرض مفاتنها «الهزيلة كطفلة» وكأنها في معرض للغانيات كما شوارع أوروبا.. أما البنت فشخصيتها مريضة ومشوهة تقدم نفسها للناس كمراهقة أو طفلة قليلة الأدب تتطاول على أمها بكل تبجح وكأنها «في فيلم خالتي فرنسا» وتلعب دور «بلطجية.. ولكن» من شارع «محمد علي».. حتى «سن البلوغ» أصبح تجارة رائجة لأم آسيا التي تستعرض حالة الثراء المفاجئ من لحم الطفلة والداعمين على تيك توك، (أغلبيتهم مسنون عرب)، ومطبخ الأثرياء وفرش الشقة.. لكن المهم أنها تبدو كأنها تصور الكليب «بناء على طلب الداعم».. مشِّيها الداعم.
في دولة تحارب «زواج القاصرات» وتسعى لتمكين المرأة «المعيلة» اقتصادياً حتى لا يخرج الأطفال للعمل.. تأتي أم آسيا لتطيح بكل القوانين.. للأطفال حقوق! حقوق الأطفال هي حقوق منصوص عليها في اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل لحماية وتعزيز مشاركة الأطفال في جميع أنحاء العالم. وهي تصف ما يحتاجه الأطفال لينمو الأطفال بشكل جيد وصحي. في اتفاقية حقوق الطفل، تشير كلمة «الأطفال» إلى جميع الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً، بما في ذلك الشباب.
وفى مادة 2 من اتفاقية حقوق الطفل تتحدد المسئولية: (تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة لتكفل للطفل الحماية من جميع أشكال التمييز أو العقاب القائمة على أساس أفكار والدي الطفل أو الأوصياء القانونيين عليه أو أعضاء الأسرة، أو أنشطتهم أو آرائهم المعبر عنها أو معتقداتهم).. فإذا كانت أم آسيا قررت أن تكون «تيك توكر» فهذا لا يلزم ابنتها، وإذا خرجت ابنتها عن الأصول المرعية والمعمول بها بين قريناتها فلا بد أن تمنعها. فمن ضمن بنود الاتفاقية (حماية الطفل من الاستغلال).
إن استغلال الأطفال من أجل التربح والشهرة هو أمر مخالف لأحكام قانون الطفل وبما في شأنه تعريض طفل للخطر، ومخالف لحكم المادة 291 من قانون العقوبات المصري فيما يتضمنه من حظر المساس بحق الطفل في الحماية من الاتجار به أو الاستغلال الجنسي أو التجاري أو الاقتصادي.
لقد أساءت أم آسيا إلى المجتمع المصري بأسره، وما تقدمه يمكن تحليله لنصل في النهاية إلى أنه «اتجار بالبشر»!.
المفترض أن السوشيال ميديا (التي تُزعجنا) هي منصات حرة في العالم الافتراضي، ومعظمها لا تخضع للرقابة القانونية في مصر، باعتبارها منصات أجنبية، بالضرورة لا بد أن تكون السوشيال ميديا «هايد بارك»، لكنها تحولت إلى ساحة صراع احتلت معظم منصاتها اللجان الإلكترونية للإخوان، وانتشر التناحر الطائفي، وأخيراً بدأ «مولد التسول» والاستعراض الجسدي الذي يصل في النهاية إلى محاكمات بتهم مثل خدش الحياء العام والاتجار بالبشر: لا تحاكموا الطفلة بل حاكموا الأم التي استغلتها والعنوا أرباح التيك توك.