كرة القدم والسياسة (1)
فى أحوال كثيرة كان المنشغلون بالسياسة ينظرون إلى جمهور كرة القدم باندهاش، ويتمنون لو تمكنوا من استعارته حجماً وعاطفة، وملأهم رجاء فى أن تكون للسياسة جاذبية الكرة، التى تستقطب هذه الأعداد الغفيرة المعلقة عيونها بـ«الساحرة المستديرة».
لكن العلاقة بين المجالين لم تقف عند هذا الحد، بل راح كل منهما يستعير الكثير من الآخر، وكأنهما يتبادلان المواقع والمواضع رغم ما بينهما من اختلاف شديد، فمخططو مباريات الكرة، أو المدربون الفنيون، يلبسون أحياناً حُلل الجنرالات أو كبار الساسة حين يجهزون اللاعبين للمباريات الحاسمة كما يُجهَّز الجنود الذاهبون إلى ميادين القتال، أو الدبلوماسيون المستعدون لخوض تفاوض مرهق حول قضية جوهرية.
والسياسيون يستخدمون طرق اللعب التى أهدت العلوم الاجتماعية «نظرية المباريات» فى التفكير والتدبير، وبعضهم، إن لم يكن أغلبهم، يتلاعب بالجمهور، أو يلعب معه وهو واعٍ تماماً لما يفعله.
وعلى سبيل المثال تسيطر على السياسة الأمريكية استعارات الرياضة، مثل «لاعب» و«فريق»، و«الكرة فى ملعبه» من كرة القدم، و«الوزن الثقيل» و«الفوز بالضربة القاضية» و«الفوز بالنقاط» من الملاكمة.
وفى إيطاليا يتم تصوير الممارسة السياسية أحياناً على أنها مباراة لكرة القدم.
ويحيط بهذه الاستعارة المتبادلة تصوُّر ينظر إلى كرة القدم باعتبارها لم تعد مجرد لعبة تسلية أو لتقضية وقت الفراغ، ولم تعد كذلك تمريناً جسدياً خالصاً، فعلى المستوى الفردى صارت كرة القدم نشاطاً إنسانياً بارزاً، له سحره الخاص، حتى إن بوسعها أن تغير من حال الذى يتفاعل معها، فتحول الغرباء إلى أصحاب، وتجعل من الآلاف، بل الملايين، عائلة واحدة تشجع فريقاً معيناً، ويتوحَّد شعورها نحوه فى اللحظة نفسها، عابراً الهويات السياسية الأخرى، بل بمكنتها أن تحول التعساء إلى سعداء، والعكس، والعقلاء إلى مجانين، والعكس.
ولأن علاقة كرة القدم بالسياسة غير مباشرة، بل هناك من يرفض دوماً تسييس اللعبة لأسباب وجيهة، فإن الوقوف على الاستعارات المتبادلة بين المجالين يتطلب شرحاً مفصلاً لإجلاء هذه العلاقة أولاً، بما يمهد الطريق لالتقاط المجاز الكامن فى خطاب اللعبة، وحديث السياسيين عنها وموقفهم منها، على حد سواء.
على المستوى الكلى صارت الكرة مع الأيام ظاهرة اجتماعية متكاملة الأركان، تعبر فى جانب منها عن سيكولوجية شعب معين، لتكشف لنا عما إذا كان متراخياً كسولاً أو مقاتلاً مثابراً، لا يسلم بالهزيمة ولا يعرف اليأس، وبذا يمكن أن يُنظر إليها أو استعارتها، حتى ولو كعنصر مساعد، فى تحليل «الشخصية القومية»، لا سيما مع ندرة الدراسات فى هذا الخصوص.
ويعبر الأديب الأورجويانى إدوارد جوليانو فى كتابه «كرة القدم فى الشمس والظل» عن هذا فى عبارة بليغة تقول:
«أنا ألعب إذاً أنا موجود: أسلوب اللعب هو طريقة وجود تكشف لمحة فريدة عن كل المجتمعات وتؤكد حقها فى الاختلاف، أخبرنى كيف تلعب وسأخبرك من أنت. لسنوات عدَّة، لُعبت كرة القدم بأساليب مختلفة، وتعبيرات فريدة خاصة بشخصيات كل شعب، ويبدو أن الحفاظ على هذا التنوع أكثر من ضرورى اليوم، وذلك أكثر من أى وقت مضى.. عندما خرجت إنجلترا من تصفيات كأس العالم 1994 خرجت صحيفة (الديلى ميرور) لتقول: إنها نهاية العالم».
ولم يقتصر الاهتمام بكرة القدم على شباب يافعين متيمين بالمباريات ونجومها، إنما خضعت لتأملات وشهادات أعمق من هذا بكثير لدى المثقفين، كما يخبرنا أشرف عبدالشافى فى كتابه «المثقفون وكرة القدم».
وزاد هذا من أهمية استعارتها إلى حقل السياسة، ففى كتابيه «أساطير» و«لذة النص» بدا الكاتب والناقد الفرنسى رولان بارت شغوفاً بالرياضة وفلسفتها العميقة وعلاماتها ومختلف الشفرات الكامنة فيها.
وكان الروائى والشاعر والسينمائى بيير باولو بازولينى، يقول: «لو لم أصبح شاعراً لكرَّست حياتى لكرة القدم».
وطالما تحدَّث نجيب محفوظ عن أنه كان لاعب كرة قدم موهوباً فى صباه، وكان ينظر إليها باعتبارها أشمل من أن تكون مجرد لعبة، وهنا ينقل عنه رجاء النقاش فى كتاب «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» قوله:
«كثيرون ممن شاهدونى فى ذلك الوقت تنبأوا لى بالنبوغ فى كرة القدم، وبأننى سألعب لأحد الأندية الكبيرة، ومنها إلى الأولمبياد مع المنتخب الوطنى.. لم يأخذنى من الكرة سوى الأدب، ولو كنت داومت على ممارستها فربما أصبحت من نجومها البارزين».