استرد وعيه قبل «30 يونيو» وشارك في الثورة للتكفير عن ذنوب 30 عاما من الأخونة.. رحلة طارق أبوالسعد: «أشبال الجماعة» ينطلقون من المسجد والتنظيم من الجامعة
استرد وعيه قبل «30 يونيو» وشارك في الثورة للتكفير عن ذنوب 30 عاما من الأخونة.. رحلة طارق أبوالسعد: «أشبال الجماعة» ينطلقون من المسجد والتنظيم من الجامعة
- الإخوان
- جماعة الإخوان
- ثروت الخرباوي
- العمل السياسي
- العمل الدعوي
- 30 يونيو
- التنظيمات الإرهابية
- المساجد
- الجامعات
- الاعتكاف
يختصره الإعلام فى أنه «المنشق عن الجماعة»، فيما يعتبره هو اختصاراً يُخل بالرحلة والمستفاد منها من دروس، يفهمها بالطبع أبناء جيله ممن عاشوا التجربة بكل قسوتها ومرارتها، لكن حتماً ولا بد أن يفهمها ويستفيد منها أبناء هذا الجيل أيضاً، فالتحديات التى تواجههم أعتى وأصعب، والاستقطاب ليس من الإخوان فحسب.
ولمن يعتقد أنهم انتهوا، فإن طارق أبوالسعد يؤكد: «موجودون ويحاولون العودة بشتى الطرق، ولو خرجوا من مصر كتنظيم مطرودين فى أعقاب ثورة 30 يونيو، فإنهم يحاولون العودة كجماعة متسللين».. وكل الشواهد تؤكد هذا بحسبه.
هناك، فى أكثر مكان ينعم رواده بالأمان، عاش طفولته، لا خوف عليه وهو فى رحاب المسجد، بل إن رأساً يرتفع فى السماء فخراً بأن الطفل الذى لم يتجاوز العاشرة من عمره «من البيت للجامع ومن الجامع للبيت»، وأن الصلاة رفيقه والقرآن حليفه، وأنه دون أبناء العائلة منَّ الله عليه بالالتزام، فما الذى يُقلق العائلة البسيطة على ابنها وهو فى بيت الله؟.. إن أشقاءه ورفاقه ممن يرتادون المقاهى ويسهرون فى الشوارع أولى بالرعاية منه، ربما هداهم الله للطريق الذى اتبعه طارق.. كان هذا منطق العائلة، ليست عائلة طارق وحده، بل غالبية العائلات فى مصر، وخاصة فى الصعيد وقرى الأرياف، فى أواخر سبعينات القرن الماضى، بين عامَى 1978-1979، المجتمع منقسم إلى شطرين، شطر فى الجامع يؤدى الفروض فى أوقاتها، وشطر على المقهى وبين النوادى والسينمات يعيش الحياة، المشترك فى الشطرين أنهما يعيشان المعاناة كاملة، ويتكبدان كل مشكلات المجتمع وقتها، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً.. الفارق الوحيد بين الشطرين أن شطراً كان يشكو الحال لنفسه، والشطر الآخر كان يشكو الحال لقياداته فى التنظيم الصغير.
بحماس الطفولة ومغامرة المراهقة والشباب اختلط طارق أبوالسعد بالإخوان، كان تلميذاً فى المرحلة الابتدائية، المسجد أقرب إليه من أسرته، والصلاة نجواه التى كان يفرغ فيها غضبه وطاقته، داخل مسجد بلدته دمنهور بالبحيرة تعرف على الجماعة، البداية كانت مجموعات تقوية دراسية لطلبة المدارس خلال شهور الصيف، يتخللها من آن لآخر محاضرات ومسابقات وأنشطة دينية واجتماعية تجذب الأطفال وتثير حماسهم للاستمرار، هكذا تعلق طارق بهم، لم يُثر هذا التعلق حفيظة أحد. مَن الذى يضيره أن يتردد ابنه على المسجد فى كل أوقات الفراغ؟.. هذا الاستنكار كان البداية التى قادت طارق بين يوم وليلة ليكون واحداً من «أشبال الإخوان»، وسط مجموعة من الأشبال من أعمار مختلفة بينهم طلبة فى الجامعات، ما كان يُشعره بميزة واختلاف حتى بين أبناء عائلته، فهو بالنسبة لهم، بكل تأكيد، ليس طفلاً عادياً.

عرف طارق كل شىء عن الدين والدنيا من خلال الجماعة والمسجد، عرف السادات وكامب ديفيد، عرف السياسة والدولة، وتوطدت صلاته الاجتماعية بهم مع الاعتكاف سنوياً فى شهر رمضان. إنها أيام السحر كما يصفها، ففيها يسلم الشاب ذهنه كاملاً لمن يملأه بالأفكار والشعارات والكلمات.. لم ينقطع طارق عنهم منذ كان طالباً فى المرحلة الابتدائية سوى عام 1981، الفترة التى هدَّأت فيها الجماعة من نشاطها بسبب اغتيال السادات، لكنه سرعان ما عاد للتواصل معهم مجدداً حين عادوا إلى المسجد واستكملوا أنشطتهم الدعوية والدينية والاجتماعية، عام 1982. وقتها كان شاباً فى المرحلة الثانوية، يعتقد أنه أنضج وأكثر فهماً من ذى قبل، ومتحمساً للمشاركة والاستمرار، وبفاعلية أكثر من أى وقت مضى.. تدرَّج طارق فى المرحلة الثانوية من «الأشبال» إلى «الأسرة»، المفهوم الذى يتغير حسب موقعك منه، فعضو الإخوان يراها أسرة أقرب من أسرته البيولوجية، أما الخارج عن صفوفهم فيراها الخلية التنظيمية الأولى التى تجمع بين التلقى الدينى والعمل التنظيمى.. وبين المرحلتين عاش طارق صراعاً، يكفى أنه يصف حفظ القرآن وتعلم الدين بأنهما «طُعم لا طعام» وأنه وقتها كان صيداً يستقر فى قاع الشبكة.
«التائب عن الذنب»، كما يصف نفسه، يرى فى رحلته من الشك لليقين دروساً، صحيح أن المسجد كان جزءاً من هذه الرحلة، وأن ضوابط وقيوداً فُرضت على المساجد تمنع الآن إفرازها للجماعات أو التيارات الفكرية على اختلافها، لكن الآلية نفسها ما زالت قائمة، فما يقوم به المسجد كمكان من تجميع الناس، أصبح متاحاً وبسهولة أكبر عبر السوشيال ميديا، بصفحات تقدم محتوى جاذباً حتى لو لم يكن دينياً مباشراً وصريحاً، مقدماً سؤالاً بسيطاً لمرتادى التواصل الاجتماعى بمختلف تطبيقاته: «كم من الصفحات التى تشاركها يومياً أو تتابعها وتحمل أسماء من عيِّنة إخوة فى الله، أسرة الرحمن، دليل الخير.. وغيرها من المسميات ذات الصلة؟».. وقع أبوالسعد أسيراً لتزييف التاريخ واختلاق الحكايات التى لا تمت للتاريخ الإسلامى بصلة، صدَّقها. وقتها، لم يكن متاحاً البحث عن الشىء وإيجاد نتيجته فى غضون ثوانٍ، ورغم أن هذه التفاصيل لم تعد موجودة الآن بسبب تطور التكنولوجيا، لكن ثمة معضلة ستواجه هذا الجيل، يلخصها «أبوالسعد»: ستجد نتائج بحث كثيرة عن كل سؤال، الإجابة وعكسها، ولن تصل للحقيقة إلا بصعوبة وبجهد كبير، وهو ما لا يقدم عليه كثير من الشباب، يكتفون بإجابات الذكاء الاصطناعى على كارثيتها.
«أبوالسعد»: «30 يونيو» كانت خلاصاً لنا أولاً وعُدنا مصريين بعد أن سقطت عنا لعنة التنظيم
فى حضن الإخوان، مارس «أبوالسعد» السياسة، وتعرف على مفاهيم سأل نفسه كثيراً لِمَ الحاجة إلى فهمها، وهو الذاهب إلى المسجد للتعلم والتفقه فى الدين، لكنهم أقنعوه بأنها صلب الدين، فهم الدولة والهوية الوطنية والقومية والديمقراطية وطبيعة الحكم.. يتذكر جيداً وهو طفل فى المرحلة الثانوية أنه حين اندهش من شرح مفهوم الحكم فى درس دينى، فما كان من شيخه وقتها سوى أن قرأ عليه قوله تعالى «وما الحكم إلا لله»، لم يسعه وعيه وقتها سوى لهز رأسه علامة على الفهم وإدراك العلاقة.. هذه المواقف هى التى ترسخ فى الوجدان وتتسلل بهدوء لتغير الشخص من مفكر إلى مردد، ولا يظهر أثرها الكامل إلا بمرور الوقت.. وهو ما حدث فى تجربته مع الإخوان، البدايات أو المظاهر الأولى لا توحى بالخطورة، ولا تؤدى بالضرورة إلى النهاية التى آل إليها التنظيم ولا علاقته به.
الإشكالية كما يراها «أبوالسعد» تكمن فى «الثمرة النهائية»، خاصة أن المراحل الأولى تبدو مقبولة أو إيجابية، شباب يترك الدنيا وينصرف إلى الدين، وأسرة تشجع ولا ترى فى الأمر أى مشكلة إلا حين تطور الأمر لملاحقة أمنية، وهنا بداية الثمار الحقيقية.. خاصة حين تلزم الجماعة أفرادها بالعمل من أجل الإسلام، وهو الأمر الذى لم يأمر به الله الناس فى الأرض، لقد نزل الدين على البشر ليحسّن حياتهم، ليلتزموا به ويبعدهم عن المعاصى، ليطبقوه، لينشروه، وليس لينصروه أو يحموه.. هذه قناعته التى استرد بها وعيه، وهى الإشكالية التى تعانى منها جماعة الإخوان منذ تأسيسها، تصورها الممتد إلى المؤسس بأنها صاحبة مسئولية «تربية المجتمع»، لا باعتبارها جزءاً منه يتأثر به ويتفاعل معه بصورة طبيعية، لكن باعتباره محكوماً منها.
كل هذا كان «أبوالسعد» جزءاً منه، حين عمل أميناً لسر لجنة نشر الدعوة على مستوى البحيرة، فالمهمة الأساسية لهذا المسار كانت تتمثل فى نشر الوسائل والأنشطة التى تساعد على استقطاب أعضاء جدد وضمهم إلى الجماعة. ظل على هذا العهد والانتماء منذ أواخر السبعينات وحتى الشهور التى سبقت أحداث 25 يناير، كما يسميها، قضى نحو 10 سنوات فى السعودية، وهناك شعر بالفارق بين إخوان مصر وإخوان أى دولة أخرى، تولى عضوية مجلس شورى إحدى الشعب، إضافة إلى عضويته فى المكتب الإدارى للشعبة.
حفظ القرآن وتعلُّم الدين فى الجماعة «طُعم لا طعام»
كانت سنواته فى السعودية جزءاً من تحول قناعاته، بين عامى 2001 - 2002، بدأ يطرح على نفسه تساؤلات حول طبيعة النموذج الذى كان يعيشه خارج مصر، كان يعيش آنذاك ضمن إطار يقتصر على حضور «الأسر التربوية» والأنشطة الاجتماعية والدينية المعتادة من لقاءات وحفظ قرآن واجتماعات دورية، دون الانخراط فى نشاطات أخرى سياسية، حيث بدأ يتساءل فى تلك الفترة: إذا كان هذا النمط من النشاط مقبولاً ويتم العمل به بصورة طبيعية، فلماذا لا يطبق النموذج نفسه داخل مصر أيضاً؟، ويستعيد جانباً من تلك التساؤلات قائلاً إنه كان يرى أن ما يعيشه من أجواء قائمة على اللقاءات الدينية والاجتماعية وحفظ القرآن والتواصل الإنسانى بين الأعضاء يبدو مستقراً وطبيعياً، وهو ما دفعه للتساؤل حول الحاجة إلى الاشتباك مع المجال السياسى إذا كان بالإمكان الاكتفاء بهذا الإطار.. ومن فرط إيمانه بالفكرة وتوغلها داخله، طرح آنذاك فكرة تقوم على إمكانية الاكتفاء بالنشاط الاجتماعى والدعوى فى مصر أيضاً، طالما أن هذا النموذج كان قائماً فى مكان آخر، لكنه طرح لم يكن مريحاً داخل الإطار التنظيمى، حيث مثلت تلك اللحظة بالنسبة له نقطة فارقة، لأنها كانت بداية التفكير خارج الإطار التقليدى الذى اعتاد عليه، حيث توصل مع الوقت إلى قناعة بأن أى شخص يبدأ فى إخضاع الأفكار للنقد وإعادة النظر فيها من خارج المنظور التنظيمى، سيصل إلى مراجعات تقوده إلى مغادرة الجماعة.
تجميد العضوية حيلة التنظيم للسيطرة على من يريد الخروج منه.. المهم ألا ينفتح المنشق عنهم على المجتمع ولا يتحدث عن أسرار الجماعة
ورغم هذا استمر.. رغم الشك غلب شكه يقينه واستمر فى التغييب، ظل يشغل مواقع تنظيمية مختلفة داخل هذا الهيكل حتى الفترة التى سبقت أحداث يناير -بحسب وصفه- بفترة قصيرة، حيث كان لا يزال يتولى بعض المسئوليات داخل البناء التنظيمى للجماعة.. لم تظهر خلافاته مع الجماعة إلا بعد الثورة بـ4 أشهر، فى تلك المرحلة كان يعتقد أن اللحظة التى طال انتظارها قد حدثت، اللحظة التى كان يرى فيها أن العوائق التى كانت تمنع الجماعة من التحرك بحرية قد زالت، يستعيد ما كان يمثله الأمر بالنسبة له شخصياً.. هدفه لم يكن مرتبطاً بطموحات سياسية أو تنظيمية بقدر ما كان يتمثل فى رغبته رؤية مظاهر الالتزام الدينى تنتشر بصورة أوسع داخل المجتمع، كان يعتقد أن الانضمام للجماعة يمثل وسيلة لتحقيق هذا الهدف.. سنحت الفرصة للجماعة كى تحقق الهدف، لكنها لم تفعل، وهنا ثارت شكوكه، وضع أفكاره تحت ما وصفه بأنه ميكروسكوب النقد لاختبار مدى تماسكها وقابليتها للمراجعة، بدأ يشعر تدريجياً بأن الاستمرار داخل الجماعة لم يعد يمثل بالنسبة له الطريق الذى كان يعتقده فى السابق، والخروج أيضاً من الجماعة لم يكن سهلاً أو بسيطاً، هى عملية شديدة التعقيد من الناحية النفسية والتنظيمية، بل إن هناك مراحل مختلفة تسبق الخروج الكامل، من بينها الابتعاد التدريجى أو تجميد العضوية، لكنه يرى أن أكثر ما كانت تخشاه الجماعة ليس مجرد خروج الأفراد، وإنما خروجهم إلى المجال العام للحديث عن تجربتهم وتقديم قراءاتهم ونقدهم للأفكار التى عاشوا داخلها.
كَشَفَ زيف دعوة الإخوان حين طالبهم بالتوقف عن العمل السياسى والعودة إلى العمل الدعوى.. لأن أهدافهم فى الأساس كانت للدنيا وليس للدين
كانت دعوته للتوقف عن العمل السياسى والاكتفاء بالعمل الدعوى فى أعقاب يناير-بعد تحقيق أكبر هدف من أهداف الجماعة- هو بداية الخلافات مع الأعضاء والقيادات، فالدعوة كانت مفاجئة بالنسبة لهم، وحيز الحرية الذى اتسع فى المجتمع لقبول الإخوان أغراهم بالمزيد، بما ينافى فكرته التى طرحها والتى لم تلق قبولاً داخل الجماعة، خاصة فى ظل حالة من الحماس السياسى التى كانت تمر بها فى هذه الفترة، ما أدى إلى تصاعد الخلافات بينه وبين الأطر التنظيمية المختلفة، تطورت إلى إجراءات تنظيمية بحقه، حيث خضع لعدد من التحقيقات الداخلية أو ما يشبه المحاكمات التنظيمية، نتيجة تمسكه بآرائه وعدم التراجع عنها، لتتخذ الجماعة قراراً بفصله، بعد إصراره على التعبير عن مواقفه داخل النقاشات الداخلية وعدم التراجع عنها، وهو ما اعتبره اللحظة التى انتهت فيها علاقته التنظيمية بالجماعة بشكل رسمى، فما كان يُطلق عليه داخل التنظيم محاكمة أو جلسة تحقيق لم تكن تتخذ شكلاً قضائياً تقليدياً، بل كانت تتم عبر لجنة مكوّنة من 3 أعضاء يمثلون مستويات تنظيمية مختلفة داخل الجماعة، من الشعبة والمنطقة والمحافظة، وغالباً ما يكونون جميعاً من أعضاء المكتب الإدارى، فهذه الجلسات كانت تُدار بطريقة تجمع بين الادعاء والحكم فى آن واحد، دون وجود طرف دفاع مستقل، إذ يُطلب من العضو محل التحقيق أن يدافع عن نفسه أمام الاتهامات الموجهة إليه مباشرة.
تكررت الجلسات أكثر من مرة، حيث كان يُستدعى فى كل مرة لمناقشة مواقفه وآرائه، قبل أن يصدر القرار النهائى فى شهر أبريل، والذى تضمن تجميد عضويته داخل الجماعة إلى أجل غير مسمى، هذا القرار كان يعنى عملياً إيقاف مشاركته فى الأسر التربوية واللقاءات التنظيمية، مع تعميم داخلى يفيد بأنه لم يعد عضواً فى الجماعة، وعدم التعامل مع ما يصدر عنه من آراء باعتبارها صادرة من داخلها، صاحب ذلك القرار بعض حملات التشويه أو ما يصفه بالاغتيال المعنوى داخل الدوائر التنظيمية، كانت محدودة فى مرحلتها الأولى، قبل أن تتصاعد بشكل أكبر لاحقاً، خاصة بعد قراره المشاركة فى 30 يونيو، وانخراطه فى الإعلام وبدء الحديث علناً عن ما يعتبره مواطن خلل داخل التنظيم.. يصف الفترة من 2011 - 2013 بأنها مرحلة مراجعة فكرية داخل الإطار التنظيمى نفسه، موضحاً أن هذه المراجعة لم تكن قطيعة كاملة مع الأفكار السابقة، بل كانت محاولة للبحث عن حلول أو مخارج داخل بنية الجماعة، دون الوصول إلى إدانة حادة لها فى تلك المرحلة.

بعد 30 عاماً من الانتماء، بدأ رحلة بحث عن الذات وإعادة فحص للأفكار التى كان يؤمن بها طوال تلك السنوات، فى تلك المرحلة التقى بأحد القيادات الإخوانية السابقة، ويدعى محسن القوى، أهداه كتاباً بعنوان «قلب الإخوان»، ووجد الكتاب مليئاً بإجابات لعدد من الأسئلة التى كانت تشغله فى تلك المرحلة، لدرجة أنه قرأه كاملاً فى ليلة واحدة. وفى صباح اليوم التالى مباشرة حاول الوصول إلى مؤلفه ثروت الخرباوى، أجرى معه اتصالاً مباشراً، تحدث فيه عن قراءته للكتاب، وهو ما شكّل بداية تواصل فكرى بينهما فى تلك المرحلة، واستمر فى التواصل مع الكاتب لفترة امتدت قرابة شهرين، حيث كانا يجريان نقاشات يومية عبر الهاتف لمدة ساعة أو أكثر، رغم المسافة بين القاهرة ودمنهور، تعامل معه بهدوء وساعده على تجاوز حالة التشوش الفكرى التى كان يعيشها، وعلى تبنى منهج مختلف فى التفكير، قائم على مقارنة الأفكار بالواقع، وفحص الممارسة مقابل الخطاب النظرى، ليعيد قراءة تجربته السابقة بشكل أعمق.
شهادته عن الجماعة الملعونة: وصلنا لقناعة بسببهم أنه لا يوجد مكان آمن على الإطلاق حتى المسجد.. والعبرة بما يتم فيه
الغريب أن «أبوالسعد» لم يشعر بالندم بعد كل هذا، لم يحزن على الـ30 عاماً التى مضت من عمره، حتى عندما فطن إلى حقيقة ما كان ينتمى إليه، يعتبر الأمر برمته تجربة، منحته فرصة فهم تفاصيلهم من الداخل، منحته قدرة على البدء من جديد، ليس فى صفوفهم ولا فى صفوف الدعوة للانضمام إليهم، لكن فى صفوف أخرى تفضح ممارساتهم وتقدم النصيحة لمن يقع فى الشباك مثلما وقع فيها.. يحمل «أبوالسعد» الكثير ليقدمه، لم يكن متروكاً من أسرته لينوه إلى دور الأسرة، لكنه لفت النظر إلى جانب مهم، لا يوجد مكان أمان بطبيعته، لقد تم اختراقه من المسجد، فهل يوجد مكان أكثر أماناً منه؟.. إن دور الأسرة الذى ينوه إليه «أبوالسعد» ليس مراقبة الأبناء ولا تعقب خطواتهم، لكن الاقتراب من كل التفاصيل، لا تسمح الأسرة لأحد بأخذ مكانها، والمسجد له وقت، والمقهى له وقت، وكلاهما مهم للشباب فى مراحل حياتهم، والتديّن ليس له مظهر لأنه نتاج علاقة الإنسان بخالقه، وهى علاقة لا يراها سوى طرفيها.
قيادى سابق فى التنظيم الإرهابى يتحدث عن احتمالات عودة الإخوان إلى مصر: لن يحدث مرة أخرى والفضل لـ«30 يونيو».. لكن كل الأزمات تؤكد أنهم حولنا بتربص
يسير «أبوالسعد» بين الناس بحكايته، يرويها دون طلب، ويُسهب فى أدق تفاصيلها، ويحولها إلى دروس وعبرات لأبنائه ومحيطه الأسرى أولاً، وكل الدوائر التى تتسع حولهم، لا يوجد مكان سيئ بذاته، المهم هو الممارسات التى تتم فيه، ولا يوجد تنظيم سرى مشروع، المشروع يتم فى العلن.. مجموعة ثوابت يتحرك بها «أبوالسعد» بين الناس كمعلومات أساسية تناسب البسطاء من أهالى القرية، لكن هذا ليس كافياً. يرى «أبوالسعد» أن مشروعاً قومياً للتحصين لا بد أن ينطلق فى كل ربوع مصر، مستخدماً سُبل الاختراق التقليدية والمستحدثة بسبب السوشيال ميديا والتكنولوجيا، وليس ضد فكر الإخوان فحسب، بل ضد أى فكر لتنظيم سرى، لا يخشى «أبوالسعد» العودة التنظيمية، فهى مستبعدة عن هيكل الإخوان بعد انهيارهم، يخشى التسلل الاجتماعى التدريجى، إعادة تشكيل بطيئة للوعى العام، تتم تحت أستار مختلفة، وبخطاب جديد، لكنه يحمل فى جوهره الهدف ذاته بإعادة الاندماج داخل المجتمع من جديد، وهو ما يحاولونه بحصار كل الخارجين عنهم وملاحقتهم، على الأقل عبر السوشيال ميديا من خلال لجان محترفة.