الشاهد الأخير على البشرية.. قصة صندوق أسود يسجل طريق الأرض نحو الكارثة

كتب: أمنية سعيد

الشاهد الأخير على البشرية.. قصة صندوق أسود يسجل طريق الأرض نحو الكارثة

الشاهد الأخير على البشرية.. قصة صندوق أسود يسجل طريق الأرض نحو الكارثة

يشهد العالم في الوقت الحالي تشييد نصب تذكاري ضخم يكاد يكون منيعًا في ركن ناءٍ من أستراليا، حيث يُطلق عليه اسم «الصندوق الأسود للأرض»، ويأتي هذا الهيكل ليكون شاهدًا صامتًا وكئيبًا على نهاية العالم، مستوحى في فكرته من مسجلات بيانات الطيران التي تسجل التفاصيل الدقيقة قبل وقوع الحوادث الجوية المميتة، ومن المقرر أن يقضي هذا النصب الفولاذي، الذي يبلغ طوله 16 مترًا، عقودًا طويلة من الزمن في توثيق مسيرة البشرية نحو كارثة مناخية محتملة.

ما هو الصندوق الأسود للأرض؟

وصُمم هذا الهيكل المهيب، الذي يبلغ ارتفاعه 13 قدمًا، من قِبل وكالة الإبداع «راوزر لاب»، حيث جرى التخطيط له ليدوم فترات طويلة تفوق عمر الوجود البشري، وسيتم تثبيت النصب فوق صخرة جرانيتية يمتد عمرها إلى 500 مليون عام على الساحل الغربي الوعر لجزيرة تسمانيا، وهو موقع استراتيجي تم اختياره بدقة لكونه من أكثر بقاع الأرض استقرارًا من الناحيتين الجيولوجية والسياسية، وبفضل تزويده بـ 36 لوحة شمسية مغلفة بالزجاج ونظام طاقة احتياطي كهروحراري متقدم، سيستمر هذا الجهاز في جمع البيانات بلا هوادة لفترة طويلة جدًا، حتى بعد أن يتنفس آخر إنسان على وجه البسيطة، بحسب ما ذكرت صحيفة «ديلي ستار» البريطانية.

الصندوق الأسود للأرض

كما تم بناء جدرانه الفولاذية فائقة السماكة خصيصًا لتحمل الأعاصير، والزلازل الكارثية، والحرائق، والفيضانات الشديدة، بالإضافة إلى الهجمات الجسدية عالية الكثافة، وستعمل هذه الخزنة المحصنة بشدة على جمع البيانات باستمرار من الجامعات، ووكالات الفضاء، ومحطات الأرصاد الجوية، وذلك لتجميع ما يصفه المبدعون بأنه «رواية غير متحيزة» لمن سيأتي إلى الأرض في المستقبل.

وكان قد أُعلن عن هذا المشروع لأول مرة في عام 2021 بالتزامن مع قمة المناخ COP26، إلا أنه بدا بعد ذلك وكأنه قد توقف تمامًا، مما دفع الكثير من المراقبين إلى رفضه واعتباره مجرد حيلة دعائية متقنة لا أكثر، بل إن جامعة تسمانيا قامت بقطع علاقاتها مع المشروع، تاركةً خلفها فريقًا من المعلنين والمهندسين المعماريين ليقودوا الفكرة بمفردهم، ومع ذلك، وبعد مرور 5 سنوات من الصمت، بدأ البناء رسميًا بالقرب من منطقة كوينزتاون في تسمانيا، مع تحديد موعد نهائي لإتمام عملية التركيب في شهر ديسمبر من هذا العام الحالي 2026.

الصندوق الأسود للأرض

وفي هذا السياق، صرح جوناثان نيبون، المدير الفني لمشروع «الصندوق الأسود للأرض»، لصحيفة «ذا جارديان» قائلًا إنه قد مر حوالي 5 سنوات بالضبط حتى تمكن الفريق أخيرًا من تركيب العمل، مشيرًا إلى أنه خلال تلك السنوات، جرى تطوير التصميم، وأنظمة تخزين البيانات، والمواد المصدرية، ومنصة الويب، بالإضافة إلى تطوير نماذج التمويل الكفيلة بدعم المشروع في المستقبل، وفي حين لا تزال التكلفة الدقيقة للمشروع غامضة وتشكل لغزًا، فإن مؤسسة «الصندوق الأسود للأرض» التي تديرها حاليًا جمعية خيرية تعتزم إلقاء وتخزين سنوات من البيانات المتراكمة داخل الصخرة الضخمة بمجرد البدء في عملية التشغيل.

الصندوق الأسود للأرض

توثيق الانهيار البطئ للحضارة

وسيقوم هذا الصندوق بتوثيق الانهيار البطيء للحضارة الحديثة بدقة متناهية، حيث سيسجل بيانات علمية دقيقة للغاية مثل الارتفاع الصاروخي في درجات الحرارة، وارتفاع منسوب مياه البحار، ومستويات غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، لكن الأمر لن يقتصر على تتبع الأرقام والإحصائيات الصرفة فقط؛ بل إنه ولتوفير سياق كامل وشامل، سيقوم النظام بسحب وجمع البيانات من شبكة الإنترنت للحصول على التغطية الإعلامية، والخطابات السياسية، والأوراق العلمية، فضلًا عن منشورات وسائل التواصل الاجتماعي.

الصندوق الأسود للأرض

وتهدف خطة المبدعين من وراء صندوق الأرض الأسود إلى توفير سرد غير متحيز للأحداث التي قد تؤدي إلى زوال الكوكب، مع تحميل المسؤولية للأجيال القادمة، وإلهام العالم لاتخاذ إجراءات عاجلة، وصرح متحدث باسم شركة «Rouser Lab» مؤكدًا أن كيفية انتهاء القصة متروكة للبشر تمامًا، وأن الشيء الوحيد المؤكد هو أن أفعال الجميع وتقاعسهم وتفاعلاتهم يتم تسجيلها في الوقت الحالي. ومن المفارقات الساخرة أن الفرق التكنولوجية القائمة على المشروع لا تزال تحاول حتى الآن معرفة الطريقة التي يمكن من خلالها لأي ناجين محتملين من سيناريو يوم القيامة العالمي الوصول إلى هذه البيانات وقراءتها.

ورغم أن الهدف الكارثي من هذا المشروع يبدو مرعبًا، إلا أن المسؤولين المحليين ينظرون إلى الجانب الإيجابي منه، حيث أشار شين بيت، رئيس مجلس الساحل الغربي، إلى أن المشروع كان منتظرًا منذ فترة طويلة، مؤكدًا أنه يمكنهم بالتأكيد اعتباره بمثابة معلم سياحي جديد للمنطقة.