التعليم و«مفرزة المال»

تراجع الطلب على العلم -نسبياً- خلال فترة الستينات، وانعكس ذلك على تغليب مبدأ «الثقة والولاء» على «الكفاءة والقدرة»، عند اختيار بعض الكوادر البشرية العاملة داخل المواقع المختلفة، وظلت الحال كذلك حتى نكسة يونيو 1967، حين بدأ الرئيس الراحل جمال عبدالناصر فى إعادة ترتيب أوراق الدولة، وراجع هذا المبدأ الخطير، واتجه إلى الاستعانة بالرجل المناسب فى المكان المناسب، وتواصل السعى وراء تصحيح الأوضاع المقلوبة بعد وفاة

«عبدالناصر» خلال السنوات الأولى من السبعينات حتى نصر أكتوبر المجيد 1973.

فخلال الفترة التى أعقبت النكسة، ارتفعت الأصوات المطالبة بالأخذ بأدوات العصر المتمثلة فى العلم والتكنولوجيا، وتناول الكاتب الكبير «أحمد بهاء الدين» هذه الفكرة فى سلسلة من المقالات، وكتب الأستاذ الراحل «محمد حسنين هيكل» سلسلة مقالات عن «الباب المفتوح» وضرورة منح الشعب بكل فئاته ما يستحق من حرية.

وخلال حرب أكتوبر لعب المتعلمون الذين تم اختيارهم للانضمام إلى القوات المسلحة دوراً عظيماً فى تنفيذ خطة العبور، وتحطيم خط بارليف، وتحقيق النصر على العدو. لقد انتصرنا حين أخذنا بالعلم، لأن أصحاب المعرفة هم وحدهم القادرون على الإنجاز فى هذا العصر، فحب البلاد من غير علم أو مهارة أو قدرات لن يفيد فى شىء.

فترة قصيرة تلك التى شهدت طلباً من جانب دولة يوليو على العلم، فسرعان ما «عادت ريما إلى عادتها القديمة»، وتراجع الطلب على العلم وأصحابه، وزاد واشتد على أهل الثقة والولاء (للسلطة طبعاً)، بل وظهر طلب على شىء جديد، تفوق فى أهميته -فى بعض الأحوال- على الولاء، وهو «المال».

فقد بات أصحاب المال بعد الدخول إلى عصر الانفتاح الاقتصادى هو الأكثر قيمة والأشد ظهوراً داخل المجتمع المصرى، وبدأت قيمة العلم تتراجع بشكل خطير وكبير، إذ لم يعد أصحابه يخضعون لمفرزة الولاء وفقط، بل أضيفت إليها «مفرزة المال». وبدأت الأصوات تتعالى أواخر السبعينات وبداية الثمانينات بالشكوى من الحالة التى وصل إليها أصحاب العلم.

عام 1980 ظهر على شاشات السينما فيلم عنوانه «انتبهوا أيها السادة» نبّه إلى التراجع المزرى لموقع أستاذ الجامعة على السلم الاقتصادى والاجتماعى فى مصر، وعجزه عن تدبير ثمن شقة يتزوج فيها، وعندما دخل أستاذ الفلسفة مع «عنتر الزبال»، استطاع «الزبال» أن يفوز فى السباق وانتزع منه خطيبته لأنه يملك المال، الأمر الذى دفع أستاذ الفلسفة إلى أن يهتف: «الحقيقة هى عنتر».

وفى العام نفسه ظهر فيلم تليفزيونى عنوانه «استقالة عالمة ذرة» يحكى حكاية عالم وزوجته عالمة الذرة، وعجزهما عن تدبير احتياجاتهما المعيشية اليومية، واضطرار العالمة فى النهاية إلى تقديم استقالتها بسبب عجزها وزوجها عن تدبير مرتب مربية ترعى طفلهما.

لقد بات العلم وأصحابه مهزومين ليس بسبب ضعف طلب الحكومة عليه وعليهم، بل وضعف الطلب الشعبى أيضاً، بعد أن بات المال هو كل شىء، ورجال الأعمال هم أبطال المرحلة.