كرة القدم والسياسة (2)

فاجأنا الشاعر الفلسطينى الشهير محمود درويش بما يبين أن الكرة تأخذ الناس من كل شىء، حتى من الحرب، فأثناء حصار الفلسطينيين فى بيروت عام 1982 وبينما كان الطيران الإسرائيلى يقصف المدينة، فإذا بوقت بث مباريات كأس العالم يعطى فرصة لالتقاط الأنفاس، لتستعار الكرة فى تنافسها السلمى المدهش بديلاً للحرب المدمرة المرعبة، حيث يقول فى كتابه «ذاكرة للنسيان»:

«كرة القدم.. ما هذا الجنون الساحر، القادر على إعلان هدنة من أجل المتعة البريئة؟ ما هذا الجنون القادر على تخفيف بطش الحرب وتحويل الصواريخ إلى ذباب مزعج؟ وما هذا الجنون الذى يعطل الخوف ساعة ونصف الساعة، ويسرى فى الجسد والنفس كما لا تسرى حماسة الشعر والنبيذ، واللقاء الأول مع امرأة مجهولة؟ وكرة القدم هى التى حققت المعجزة خلف الحصار، حين حركت الحركة فى شارع حسبناه مات من الخوف، ومن الضجر».
ثم يعود «درويش»، الذى وصف كرة القدم بأنها «أشرف الحروب» فى المونديال اللاحق الذى جرى عام 1986، ليقول: «ماذا نفعل بعدما عاد مارادونا إلى أهله فى الأرجنتين؟ مع منْ سنسهر، بعدما اعتدنا أن نعلّق طمأنينة القلب وخوفه على قدميه المعجزتين؟ وإلى منْ نأنس ونتحمّس بعدما أدمناه شهراً تحوّلنا خلاله من مشاهدين إلى عشّاق؟».

إنها حالة تشبه تلك الفرصة التى كان يمنحها الخاطفون المنتمون لحركة «توباك أمارو» الماركسية، الذين اقتحموا السفارة اليابانية فى العاصمة البيروفية فى ديسمبر من عام 1996، لرهائنهم كى ينسوا مأساتهم بعض الوقت، حين يلعبون معهم الكرة فى مكان الحصار، فبينما كان العالم كله حائراً فى تحديد مصير الرهائن، فإذا بالصور التى التقطتها طائرات الهليكوبتر المحاصرة للسفارة تبين أن الخاطفين يلعبون مع المحتجرين مباراة كرة قدم فى الحديقة الخلفية للسفارة، وهو الوقت الوحيد الذى كان للطرفين فيه حرية الحركة والمزاح وترك التفكير فى المصائر والمستقبل. وقع هذا قبل أن تقتحم قوات الأمن البيروفية المكان فى نهاية العام التالى، لتجهز على جميع أفراد المنظمة، وتنقذ المحتجزين فيما عدا شخص واحد.

وكانت منظمة «فاراك» الكولومبية الماركسية تسمح لرهائنها بالتريض بلعب كرة القدم فى الأدغال، أو الجلوس لمشاهدة المباريات، حسبما يذكر خالد يوسف فى مقال له بعنوان «أممية الأفيون: حكايات كرة القدم خارج الملعب».

وكان الروائى ألبير كامو يوصف بأنه «مجنون بكرة القدم». وقد رصد صديقه آبيل بيتوس اعترافاً بتتيمه بالكرة، وقال: «كرة القدم مثل المسرح تبقى بالنسبة لكامو جامعته الحقيقية، وإنه لو خُيّر بينها وبين الأدب لاختار كرة القدم». وفى عام 1930 كان «كامو» يحرس مرمى فريق كرة القدم بجامعة الجزائر، بعد أن كان قد اعتاد اللعب كحارس مرمى منذ طفولته؛ لأنه المكان الذى يكون فيه استهلاك الحذاء أقل. فـ«كامو»، ابن الأسرة الفقيرة، لم يكن قادراً على ممارسة ترف الركض فى الملعب بما يجعل حذاءه يبلى سريعاً: وكل ليلة كانت الجدة تتفحص نعل حذائه وتضربه إذا ما وجدته متآكلاً.

وتعبر كرة القدم فى جانب أعم وأشمل عن صيغة للتفاعل الاجتماعى الخلاق، الذى يقوم على قدر من العدالة النسبية لا تطاوله الظروف العادية للبشر، لا سيما فى أى بلد تغيب فيه العدالة عن كل شىء تقريباً، ولهذا يمكن استعارة منطقها لإفهام الجماهير بعض الاختلال الذى تعانى منه الحياة السياسية.

فمهما اختلفت الإمكانيات بين الفرق فكل منها تمثَّل فى المباراة بعدد محدد من اللاعبين، يخضعون لتحكيم محايد، ويمكن للصغير منهم أن يهزم الكبير، والضعيف أن ينال من القوى، ومن فى ذيل القائمة يُسقط من يعتلى صدارتها، وهذه الخاصية فى حد ذاتها تلهب خيال المعارضين الضعفاء فى النظم السياسية التسلطية والشمولية، وهم يرددون خلف أسطورة الكرة الهولندية يوهان كرويف فى معرض تعليقه على إمكانية أن يهزم الفقير الغنى والضعيف القوى فى كرة القدم: «إنه أمر ممكن جداً، أنا لم أر خزانة ممتلئة بالنقود تحرز هدفاً فى أى مباراة من قبل».