أنا وأحمد زكي (2)

عمرو الليثى

عمرو الليثى

كاتب صحفي

ونستكمل حديثنا عن الفنان الكبير الراحل أحمد زكي الذي توثقت علاقتي به مع مرور الأيام.. كان قادرا على أن يصادق الجميع.. سواء كانوا أكبر منه أو أصغر منه.. أو حتى مَن هم أبسط منه.

كان الغنى الفقير.. دائماً يقول لى «أنا مابعرفش أحوّش».. يعشق الإنفاق على حبايبه وأصدقائه.. ودائماً الخناقة المعتادة عندما نجلس للغداء فى أى مكان.. وتنتهى الغدوة بخناقة وصوت أحمد يرتفع: الحساب عندى.. وأذكر ذات مرة حين كنا نتغدى فى مطعم سمك، وفى نهاية القعدة: جرسون، الحساب عندى.. فأقسمت عليه أن الحساب عندى، ووصل الأمر بنا إلى حد الصوت المرتفع، وأمام إصراره وافقت ورضخت، وبدأ يعطى للجرسون الحساب، فيكتشف أن ما فى جيبه مايغطيش الحساب.. فأخرج كارت الفيزا فاتضح أنها لا تعمل.

ومع ذلك صمّم إنه يبعت يجيب فلوس من البيت، رغم أنى تعهدت له أنى سأدفع المبلغ وآخذه منه بعد ذلك، إلا أنه رفض، وقعدنا ساعة منتظرين سوّاقه يجيب الفلوس.. هكذا كان أحمد زكى نموذجاً للكرم الشديد.. المحب للناس.. المحب للخير.. أذكر مرة التقيته فى مكتب والدى رحمه الله ممدوح الليثى فى قطاع الإنتاج، وكان سبب الزيارة أن يحصل على بقية مستحقاته فى فيلم «ناصر 56»، وكعادته أخذ يتعصب ويقول لى: فلوس.. عايز فلوس.. تعبى وشقايا.. أنا تعبت فى الفيلم ده.. وأبى يحاول أن يهدئ من روعه ويقول له: يا أحمد دقائق وحتاخد فلوسك.. وبالفعل مرت الدقائق وجاء الصراف وقبض أحمد فلوسه.. وودّع والدى ونزلت معه.. فوجدت مشهداً عجيباً.. أخذ يفرتك فى الفلوس اللى خدها واللى كان من لحظات قليلة بيتخانق علشانها.. يوزع على السعاة فى الطرقات وعلى عمال الأسانسير، وأتصور أنه إلى أن نزلنا من مكتب والدى فى قطاع الإنتاج فى الدور العاشر إلى باب التليفزيون كان أحمد قد أنفق كل الفلوس اللى خدها عن عمله فى فيلم «ناصر 56».

أحمد كان فناناً كامل الأوصاف من الرأس حتى القدمين، لا يشغله المال أو الشهرة بقدر ما يشغله حُسن اختياره للأعمال الفنية، بالإضافة إلى أنه لا يهتم بالدعاية لنفسه فى الصحف والمجلات، لأن كل شىء من وجهة نظره زائل، وفى مثل هذه الصفات يشبه الفنانة الراحلة أيضاً سعاد حسنى. ومن يستعرض أعمال أحمد زكى يجدها منتقاة بعناية شديدة، فلا يوجد عمل ساقط أو فاشل مثل آخرين من كبار النجوم الذين فشلت لهم أعمال ليست بالقليلة، فأعماله كلها تركت بصمة فنية، ونجوم كبار أيضاً لم يتركوا هذه البصمة، وكما كان يقول والدى العظيم ممدوح الليثى، فتاريخ أحمد زكى على المستوى الفنى يسجل له أعمالاً فنية خالدة، ربما لم يسجلها غيره.

أما على المستوى الإنسانى والشعبى، ولمن لا يعرف، فإن أحمد زكى فى الحياة العامة إنسان طبيعى يأكل معك ويلهو معك، لكن عندما يقف أمام الكاميرا فإنه يتقمص الشخصية ويعيشها بإتقان شديد، فعندما أسند له والدى دور الرئيس جمال عبدالناصر فى فيلم «ناصر 56» ذهبت لأزوره يوم تصويره أحد المشاهد فى حى المنشية الذى تم بناؤه خصيصاً فى مدينة الإنتاج الإعلامى ليعلن فيه أحمد زكى أو الرئيس عبدالناصر قرار تأميم قناة السويس.. ذهبت إليه مساء وسألت على غرفته.. وجدت حالة من الوجوم والصمت.. دخلت إلى غرفته.. فلم يلتفت لى، للوهلة الأولى اعتقدت أنه لا يعرفنى.. كان مرتدياً ملابس الرئيس عبدالناصر.. وجالساً يقرأ فى ورق أمامه فقلت له: مساء الخير، لم يرد. وما هى إلا لحظات ووجدته «يزعق» منادياً: يا سامى.. ليدخل الفنان المرحوم هشام فؤاد مجيباً: أفندم يا سيادة الريس.. اندهشت جداً.. سامى.. سيادة الريس هو فيه إيه؟!.. وبصوت عالٍ.. أشار أحمد إلىَّ بطرف إصبعه: مين ده يا سامى؟.. فرد عليه سامى: ده يا فندم ابن رئيس قطاع الإنتاج.. فرد أحمد: إيه اللى جابه هنا؟.. فرد عليه سامى: جاء لسيادتك.. وفوراً رد أحمد زكى أو عبدالناصر: يا سامى طلّع لى قرار «جمهورى»، (قالها كده «جمهورى» كما يقولها عبدالناصر بالضبط).. بإقالة رئيس قطاع الإنتاج، كل ذلك يحدث وأنا أجلس فى ذهول.

معايشة أحمد زكى لشخصياته كانت واقعاً يلمسه المحيطون به، فحكى لى يوماً عندما كنا نقضى شم النسيم معاً فى فندق فورتى جراند بالهرم، وكانت له كابينة خاصة به رقم 604، حكى لى حكايته مع فيلم البرىء.. وكيف تعايش مع شخصية المجند الذى عاد إلى قريته بعد أن أخذ إجازة لأنه قتل صلاح قابيل الذى أوهموه بأنه من أعداء الوطن، وكيف تقمّص شخصية المجند لدرجة أن المرحوم المخرج عاطف الطيب لم يتخيل أن مَن أمامه هو أحمد زكى.. وحكى لى كيف نزل إلى الترعة وتعامل مع الحمار النافق فيها.. وأنه عندما يجسد الشخصية ينسى نفسه ومَن حوله ولا يتذكر سوى هذه الشخصية.. وأيضاً لم أنسَ عندما قرر أداء دور الرئيس الراحل أنور السادات، المشروع الذى سيطر على عقله ووجدانه..

وكنا نجلس معاً فى حديقة مينا هاوس، ويقعد أحمد يقلد السادات، ليس كمقلد وإنما كمتقمص لشخصيته.. وهو من النوع الذى يمكن أن يجسد الشخصية ولا يهتم لكونه فناناً مشهوراً وأن الناس سيلتفتون لما يفعل وهو جالس فى مكان عام.. كان حلمه أن يجسد السادات.. وكلما خرجنا معاً أو سافرنا إلى الإسكندرية لنجلس فى شاطئ عايدة فى كابينة صديقنا المشترك «ميشيل أحد» يعيش أحمد مع شخصية السادات ويتكلم زيه.. ويمشى زيه.. كل همه أن يُنتج فيلماً عن السادات حتى لو أنفق كل ماله، الذى لم يكن كثيراً..

وتحقق الحلم وبدأ أحمد فى إعداد مشروعه لفيلم السادات، كنت فى ذلك الوقت أقدّم برنامجاً فى التليفزيون المصرى اسمه «اختراق»، قدّمت فيه عدة حلقات وثائقية نادرة عن الرئيس السادات، فيكلمنى أحمد بعد الحلقة: عمرو.. أنا عايز المشاهد اللى انت حطيتها فى الحلقة دى والسادات سايق العجلة وبيحلق دقنه.. وهو فى فيلا القناطر.. ومكالمة ثانية: عمرو.. أيوه يا أحمد.. أنا عايز اللقطات اللى انت ذعتها عن اغتيال السادات ولما وقف للقتلة وجم يقتلوه.. حاضر يا أحمد.. كان متعايشاً مع شخصية السادات بشكل كبير.. ونفس المواقف التى حدثت مع «ناصر 56» حدثت مع «السادات».. لدرجة أنه أصبح أثناء التصوير عندما يخرج للغداء أو العشاء فى أى مكان يتكلم زى السادات ويضحك زى السادات، وفى تقديرى أنه أحب الشخصية لدرجة كبيرة جداً.. ولن أنسى يوم عرض الفيلم لأول مرة، وكان ذلك فى مهرجان الإذاعة والتليفزيون فى مدينة الإنتاج، وكنت أجلس بجانبه مباشرة بنتفرج على الفيلم وكأنه لم يشاهده من قبل، ومرة واحدة يخبط على رجله.. أقول له: الفيلم ماشى هايل.. يرد: بس المشهد ده كان لازم يتعمل أحسن من كده..

وانتهى عرض الفيلم فى المهرجان وخرج الجميع مهنئين.. ليعيش أحمد زكى فى حلم جديد.. فى تلك الفترة عجبه الفيلم الذى كتبه الأستاذ وحيد حامد تحت اسم «معالى الوزير»، وبدأ أحمد هذه المرة، وعلى طريقة شادية فى فيلم عفريت مراتى، يعيش مع الوزير الفاسد، رأفت رستم.. عشت جلسات وحوارات طويلة بين أحمد زكى ووحيد حامد ووالدى ممدوح الليثى عن الفيلم ومشاهده.. ومفيش مانع أن يصاحب هذه الجلسات خناقات ثم ضحكات.. المهم أن يخرج الفيلم بالصورة الرائعة التى صاغها وحيد حامد وجسَّدها أحمد زكى وأنتجها ممدوح الليثى.. عاش أحمد مع معالى الوزير لدرجة أن هناك مشهداً المفروض أن الوزير رأفت رستم «صوته بيروح» ولا يستطيع الكلام مع أسرته عن الأماكن التى وضع فيها أمواله الفاسدة.. والطريف أن أحمد بعد أدائه لهذا المشهد أصيب باحتباس صوت وقتى.. من كثرة إجادته للدور.

وطوال تلك الفترة يعيش أحمد زكى هائماً مع شخصياته وأفلامه.. وجاء حلمه الكبير بأداء شخصية عبدالحليم حافظ، وكان أحمد يشعر بأنه وحليم متشابهان فى كل شىء، وللأسف مع الفرح يأتى الألم.. ففى نفس الوقت الذى بدأ إعداده لمشروع حليم، وأذكر يومها كنت أجلس معه أنا وزوجتى وأبنائى نتناول الغداء يوم الجمعة فى مطعم سويس إير بالجيزة.. قعد أحمد يحكى عن حليم وحيعمل إيه فى الفيلم، وبعد حليم عايز يعمل فيلم مع ماجدة الرومى، وبعدها يعمل فيلم الرئيس والمشير ويجسد فى هذا الفيلم دور المشير عامر.. كنت أستمع لكلماته وأحلامه وأنا أقول فى نفسى: أتمنى أن يعيش ليرى تلك الأحلام، لكن أثناء تصوير «حليم»، هذا الفيلم الرائع الذى يعود الفضل فيه إلى أحمد وصديقى العزيز عماد الدين أديب، صديق أحمد الصدوق المخلص الوفى له، والذى كان كل همه أن ينتج لأحمد ويحقق له حلماً مهماً فى حياته السينمائية..

وبدأ أحمد فى تصوير حليم، ولكن فى نفس الوقت أصابه مرض السرطان، وكان أحمد قوياً ومؤمناً بأنه سيقهر المرض، وفى تلك الأيام كان آملاً أنه سيعيش حتى يحقق كل أحلامه، وكلما رآنى أو رأى أبى -رحمه الله- فى المستشفى يقول: يا أستاذ ممدوح أخبار فيلم المشير عامر إيه؟ فيرد عليه أبويا: تقوم بالسلامة ونبدأ التجهيز للفيلم.