إلى دعاة الإصلاح

■ على الدعاة إلى الله أن يتخذوا من الواقعية فى التفكير والانضباط فى التصورات منهجاً عملياً، فلا ننسى ونحن نتطلع إلى السماء أننا على الأرض نسير، فلا نجرى خلف خيال كاذب، أو حلم فارغ، أو أمانى موهومة، فنكون كمن يسبح فى البر أو يحرث فى البحر أو يبذر فى الصخر، أو نكون كمن ينسج خيوطاً من خيال ويبنى قصوراً من الرمال.

■ لا تراهن على المستحيل فتضيع الممكن، ولا تزايد على المستحيل فتفقد الموجود، فمن ثوابت الحياة أنه من أراد الكل فقد الكل، ومن طلب المستحيل أضاع الممكن، وما لا يدرك كله لا يترك كله.

■ كثيراً ما تجنح النفس الإنسانية إلى الكمال، وتصبو إلى المثالية، ولكن سنة الله فى خلقه قضت بأنه ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، فمن لم تقنع نفسه بما يدرك، ودأب على رفض الجزء طلباً للكل، واتبع فلسفة «كل شىء أو لا شىء»، فهو يتبع فلسفة عقيمة لا يقرها شرع ولا يقبلها واقع، وهى فلسفة عقيمة تأبى قلوبنا وعقولنا الوقوع فى أسرها.

■ ندرك أنه على دعاة الإصلاح والرشاد أن يقبلوا المتاح من الحلول، والممكن من الوسائل، ويبنوا عليه حتى تثمر شجرة صلاحهم وإصلاحهم، فسياسة الحياة هى فن الممكن وليست طلب المستحيل، وشعار القرآن العظيم هو «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، «لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا»، ويقاس عليها ولا يكلف الله أمة أو شعباً إلا وسعه.

■ ولذا ينبغى على أئمة الإصلاح فى كل البلاد أن يختاروا من الحلول ما يحقق مصالح وأمن وأمان البلاد والعباد، وأن يدوروا مع مصالح الدين والوطن حيث دارت، وأن يعلموا الجميع أن يتسامحوا فى بعض حقوقهم حتى لا تضيع معهم كل الحقوق، وحتى لا تغرق السفينة بالجميع، وأن يحرصوا على التوافق المجتمعى والتآزر فى محبة الدين والوطن.

■ عليهم ألا يعيشوا على الأمانى والأحلام، وعليهم أن يتفاعلوا إيجابياً مع مجتمعاتهم، فنبنى على المتاح آمالنا، ونغزل على الممكن خيوط مستقبلنا، ولا ننعزل عن واقعنا المعيش، نحيا بالحب ونعيش بالود، نكره الصراع بكل أنواعه، نعشق التآلف على المتاح من الخير، نقدم مصالح الدين والوطن على أى مصلحة جزئية أو حزبية أو عشائرية.