علي الفاتح يكتب: لنبقى أحرارا.. مصر تدشن حلف الضرورة

كتب: محرر

علي الفاتح يكتب: لنبقى أحرارا.. مصر تدشن حلف الضرورة

علي الفاتح يكتب: لنبقى أحرارا.. مصر تدشن حلف الضرورة

اجتماع القاهرة لوزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان يؤكد أن خفض التصعيد بين واشنطن وطهران لا يعني نهاية لتهديدات الأمن القومي الإقليمي، الممتدة من العراق وسوريا ولبنان وفلسطين المحتلة إلى الخليج العربي وبحر عمان وباب المندب، وعمق القرن الأفريقي، من قبل المشروع الصهيوأمريكي.

صحيح أن البيان الختامي للمجموعة الرباعية للعمل الإقليمي رحّب بتوقيع واشنطن وطهران على مذكرة التفاهم، إلا أنه شدد على ضرورة سرعة التوصل إلى اتفاق نهائي يشمل بنوداً قابلة للتحقيق، وتلقى قبولاً من جميع الأطراف، وعلى أن يراعي هذا الاتفاق شواغل دول الخليج العربي ومقتضيات أمنها واستقرارها، وما يضمن أمن المشرق العربي، في إشارة واضحة إلى لبنان وسوريا. البيان أكد أيضاً على مركزية القضية الفلسطينية، باعتبار أن حلها على أساس عادل يضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، يمثل المفتاح الرئيسي لتحقيق الاستقرار والأمن. توقيت عقد هذا الاجتماع، الذي دعت إليه القاهرة، يشير إلى إدراك عميق لطبيعة التحديات والتهديدات التي ما زالت المنطقة بصدد مواجهتها، بل وأن هناك تهديدات جديدة تلوح في الأفق بسبب عنت عصابات تل أبيب.

الرئيس عبدالفتاح السيسي، وأثناء لقائه بوزراء خارجية المجموعة، المصري بدر عبدالعاطي، والسعودي فيصل بن فرحان آل سعود، والتركي هاكان فيدان، والباكستاني محمد إسحاق دار، طلب تطوير آلية عمل المجموعة لتصبح مؤسسية واستمرار التشاور والتنسيق. بعبارة أخرى نحن أمام صيغة للعمل الإقليمي الجماعي، وإن شئت القول تحالف متكامل يتحرك بجسد واحد ورؤية واستراتيجية موحدة، وهو ما رأيناه في السودان بمواجهة عصابات ما يسمى بالدعم السريع وأذرع تل أبيب الإقليمية. ذات التحركات رأينا مثلها في عمق القرن الأفريقي نحو الصومال وإريتريا في مواجهة محاولات عصابة تل أبيب لمد نفوذها. مصر بادرت إلى محاصرة هذه المحاولات اليائسة عبر اتفاقات دفاعية واستراتيجية مع إريتريا والصومال، ورسمت خطوطاً حمراء ضد أي وجود مدني أو عسكري للدول غير المشاطئة للبحر الأحمر. فمنعت أي فرصة للوجود الإثيوبي الذي كان سيشكل غطاء للوجود الصهيوني، وهي الآن بصدد تحركات استراتيجية لوأد محاولات عصابة تل أبيب لترسيخ أقدامها في ميناء بربرة بإقليم أرض الصومال. هذه التحركات جاءت في وقت مبكر، قبل عدة أشهر، وهو ما وصفته حينها في هذه الزاوية بتسونامي مصر في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي.

البيان الرسمي الصادر عن الرباعية الإقليمية لا يحمل الكثير من التفاصيل عن طبيعة التحديات، التي تنتظر المنطقة، لكنه في الوقت نفسه جاء محملاً بالعديد من الدلالات والإشارات التي يمكن استنباطها. تأكيد البيان على ضرورة أن يأتي الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران معالجاً لشواغل دول الخليج العربي يعني أن المجموعة ستعمل عبر الوسيطين الباكستاني والقطري على طرح قضية أمن دول الخليج ضمن أجندة المفاوضات، وأنها بشكل موازٍ قد تعمل على هذه المسألة مع إيران بشكل منفصل بعيداً عن مائدة جنيف، لا سيما أن المجموعة، أو الحلف، تضم المملكة السعودية.

مسألة أمن الخليج العربي هنا تتجاوز فكرة عدم اعتداء إيران، لأنها تعالج باتفاقية عدم اعتداء مشترك، ذلك أن المسألة الأشمل تتعلق بعدم تغول إيران بممارسة نفوذ سياسي على المنطقة، ومحاولة فرض هيمنتها.

هناك مخاوف خليجية حقيقية بهذا الشأن، لا سيما بعد أن نجحت إيران في بناء معادلة ردع بوجه الكيان الصهيوني والولايات المتحدة مجتمعين عبر ورقة مضيق هرمز والرد العسكري الحاسم. لذلك تحتاج المنطقة دور هذا التحالف لعمل ذلك التوازن بما يجعل معادلة الردع الإيرانية الجديدة تخدم الأمن الإقليمي الجماعي في وجه المشروع الصهيوأمريكي، لا أن يتم استخدامها لفرض نفوذها على الدول العربية. هذا التحالف هو الجسر القادر على بناء علاقة مصالح مشتركة تدمج إيران ضمن منظومة العمل الإقليمي ولا تستبعدها، ذلك أن دول الإقليم الأصيلة من باكستان إلى مصر ومن تركيا إلى السودان يتعين عليها التفرغ لمواجهة مخططات العدو القابع في تل أبيب.

قناة 12 العبرية تحدثت عن ضرورة عمل انسحابات شكلية من بعض المناطق التي احتلها جيش الاحتلال الصهيوني في جنوب لبنان لتقديم هذا الإجراء إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حتى لا يفرض على عصابة تل أبيب الانسحاب من كامل جنوب لبنان. هذا التفكير الصهيوني، وبغض النظر عن ترجمته إلى فعل ميداني من عدمه، يعكس إصراراً صهيونياً على استمرار احتلال جنوب لبنان. مجرم الحرب نتنياهو نفسه أكد تمسكه بالبقاء في لبنان، والتي يسميها بالمنطقة الصفراء، والتي تقدر مساحتها بحسب التقارير الصحفية بنحو 600 كيلومتر مربع. ومع ذلك نتنياهو ليس المشكلة بحد ذاته، فالكل يجمع في الشرق والغرب من محللين ومتخصصين في دراسة شئون الكيان الصهيوني أن الانتخابات المزمع عقدها في أكتوبر المقبل داخل الكيان هي من تجعل نتنياهو حريصاً على إفساد أي عملية تفاوضية بين واشنطن وطهران واستمرار الحرب مهما كانت تداعياتها المدمرة، وذلك حفاظاً على شعبيته. تكرار هذا الحديث، حتى على لسان ترامب ونائبه، يؤكد أننا بصدد كيان إرهابي بكل مكوناته السياسية والاجتماعية، ويعني استمرار الخطر، بغض النظر عن نجاحه أو فشله، واستحالة تخلي عصابات تل أبيب ومستوطنيها عن حلم إسرائيل الكبرى.

هذا الحلف الرباعي الجديد، الذي أعلن رئيس حكومة الاحتلال استعداده لمحاربته، بعد الانتهاء من إيران، معني بابتكار أوراق ضغط دبلوماسية وخشنة لمواجهة المشروع الأخطر على المنطقة، الذي سيتبناه خليفة نتنياهو، سواء كان يسارياً أو يمينياً لإجباره على الانسحاب من لبنان وسوريا وقطاع غزة، والأراضي التي يحتلها في الضفة الغربية، وتقليم أذرعه في القرن الأفريقي وعموم المنطقة. فأحد أهم الدروس المستفادة من العدوان الصهيوأمريكي هو أن هذه العصابات لا تفهم سوى لغة القوة ولا تستجيب إلا بمعادلات ردع عمادها القوة بكل صورها السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية. الكيان الصهيوني ليس الخطر الوحيد، فها هو ترامب يعلن أنه سيعمل من أجل السيطرة على مضيق هرمز وفرض رسوم على السفن التجارية وناقلات النفط، من أجل استعادة تكاليف عدوانه على إيران، وهو ما يفرض على دول المنطقة عملاً جماعياً سريعاً، وبالتنسيق مرة أخرى مع الجمهورية الإيرانية، بحيث يشترك الكل في تأمين مضيق هرمز وبحر العرب وباب المندب بقطع سفن حربية لمنع هذا السيناريو الكابوس، لا سيما أن الرئيس الأمريكي قال الأسبوع الماضي إنه سيجبر دول الخليج على دفع 20% من إجمالي عائداتها من صادرات النفط والسماد والهيليوم والغاز. أي إن الرجل لم يخف ما يخطط له، وكرره في تصريحين خلال أسبوع واحد.

مجمل القول: «مصر تدشن حلف الضرورة لنبقى أحراراً، عبر الرباعية المصرية التركية السعودية الباكستانية، وهزيمة الولايات المتحدة الاستراتيجية أمام إيران، وانكسار المشروع الصهيوني يعد ظرفاً مواتياً لبناء هذا التحالف على نحو فعال، فالمشروع الصهيوأمريكي لن يستسلم بسهولة، ولا وقت للتباطؤ بشأن هذا الحلف».


مواضيع متعلقة