كرة القدم والسياسة (3)
في كرة القدم فقط يمكن لفريق محدود الإمكانيات أن ينتصر على فريق يمتلك قدرات هائلة، لكن في الانتخابات المحلية والبرلمانية والرئاسية، التي تجرى في ظل النظم غير الديمقراطية، لا يمكن لأحد أن ينافس الحزب الحاكم مثلاً أو الرئيس المعاد انتخابه. فالانتصار في الشكل الأول يصبح ممكناً، ويصبح في الشكل الثاني مستحيلاً، إلا لو استعرنا وطبقنا الآليات المستخدمة في الأولى على الثانية.
في مباريات الكرة أنت أمام فريقين متساويين في العدد، وزمن نزالهما محدد لا يتم تجاوزه إلا بمقدار ما يضيع من وقت، وبينهما حكم يتحرى العدل والإنصاف على قدر ما تسعفه قدراته البشرية، وفوقهما لوائح منضبطة، وتقع المنافسة على الهواء أمام جمهور يتابع الفريقين المتنافسين مباشرة من المدرجات أو أمام الشاشات، وهو أيضاً حكم على اللعب.
وفي الثانية تجرى أمور كثيرة خلف الستار وبلا أي ضمانات للعدل، ولا تكافؤ فرص بين المتنافسين في أي شيء، لا في ركائز القوة المادية، ولا في القدرة على الوصول إلى الجمهور، ولا حتى في الطرف الذي يحكم بينهم، والذي يتباهى أحياناً بانحيازه المسبق لطرف على حساب البقية.
في مرات قليلة تمت رشوة حكام كرة قدم، أو تواطأ فريق مع آخر لإيذاء منافس ثالث، لكن هذا لم يبق مستوراً، بل كشفه الناس من أول لحظة، واستهجنوه وحوسب من اقترفوه. وفي كل المرات بالدول التي تعاني من الاستبداد تتم رشوة حكام السياسة، وينجزون سرقتهم في ليل بهيم. وبينما يخرج اللاعبون المتواطئون والحكم المنحاز من الملعب ورؤوسهم على صدورهم من الخزي، نجد لاعبي السياسة في نظم الحكم المستبدة يتبجحون ويشمخون بأنوفهم، ويخرجون ألسنتهم من وراء ظهور الناس، وهم يرددون عبارات فخيمة عن العدل والنزاهة والاستقامة والجدارة.
هذه المضاهاة بين السياسة والكرة تعدت فكرة المقارنة بين الطريقة التي يلعب بها الفريق والقوانين التي تحكمه وبين النظام السياسي غير الديمقراطي، ووصلت إلى مقارنة بين الكرة وبين التنظيم الدولي برمته، فعشية افتتاح مونديال 2006 قام السكرتير العام للأمم المتحدة كوفي أنان بعقد مقارنة بينه وبين المنظمة الدولية، لتنتهي في صالح هذا المهرجان الكروي الكبير، حيث تضمن قوانينه مساواة بين الدول، ويجري بينها تنافس عادل تحكمه الموهبة والعمل الجماعي، وهما قيمتان إيجابيتان على العكس من قيم كثيرة سلبية تحكم عمل الأمم المتحدة، بما جعل عنان يبدي غيرة من المونديال، ويتمنى لو تحذو العلاقات الدولية حذوه.
ووصل الأمر بالبعض إلى أن يقول إن جوهر كرة القدم يتشابه بل يتطابق مع جوهر السياسة، لأن كليهما قائم على المنافسة والصراع، وبذا تكون بطولة الكأس أشبه بالصراع الصفري في السياسة، الذي يعني أن يأخذ طرف كل شيء ويحرم خصمه من أي شيء، أما بطولة الدوري فتتطابق مع التنافس المتعادل أو متعدد الأقطاب، أما إدارة المباراة فتشبه إدارة العلاقات الدولية، أو حتى إدارة الحروب، التي تعتمد على دراسة نقاط قوة وضعف الخصم قبل المعركة، ثم العمل على شل حركته، لهزيمته في النهاية.
وتأخذ الاستعارة أحياناً شكل التماهي بين اللاعب والسياسي أو المحارب، فقد كان اللاعب المجري في برشلونة ساندرو كوكسيس يسمى صاحب «الرأس الذهبي»، لتصويباته الدقيقة برأسه نحو المرمى، حتى إن الناس كانوا يقولون إن رأسه هو الأفضل في أوروبا بعد رأس الزعيم البريطاني ونستون تشرشل.
وأثناء بطولة كأس العالم 1990، كتب الروائي المصري عبدالحكيم قاسم مقالاً عنوانه «ميلا أيها الكاميروني» شبه فيه هذا اللاعب الأفريقي الفذ بسبارتاكوس محرر العبيد أيام الإمبراطورية الرومانية، وهو ما يمثل استعارة صارخة بين الرياضة والسياسة، وبين الأولى والحرب أيضاً، والأهم منها هو ربط كرة القدم بقضية التحرر الإنساني.
واهتم بعض علماء السياسة وممارسيها بمناقشة علاقتها بالألعاب الرياضية بوجه عام. فها هو السيناتور الأمريكي الراحل ويليام فولبرايت يأتي على ذكر كرة القدم في سياق كتابه ذاع الصيت «ثمن الإمبراطورية» الصادر عام 1989، وهو يناقش مخاطر الصراع الأمريكي السوفييتي وقت أن كانت الحرب الباردة تلفظ أنفاسها الأخيرة، حيث رأى أن هذا الصراع لا يمكن أن يكون مماثلاً للتنافس حول من تكون له الكلمة العليا في ملعب لكرة القدم، ثم لاحظ أن التنافس الدولي لا يدعو للسرور في ظل سباق التسلح وامتلاك أسلحة الدمار الشامل، بينما لا يؤذي التنافس الرياضي أحداً، بل يستمتع به الجميع، حسبما يذهب وليام فولبرايت في كتابه «غطرسة القوة.. ثمن الإمبراطورية».