كرة القدم والسياسة (4)

هناك وجهة نظر تطرح تطابقاً في الاستعارة المتبادلة بين كرة القدم والسياسة في حالات سياسية معينة. وفي نظر كامل عبدالفتاح، عبر مقاله «كرة القدم والسياسة»، يمكن في كرة القدم أن «نصنع من أنصاف الموهوبين نجوم سوبر كما نصنع من أنصاف الساسة طغاة وأنصاف آلهة.. في كرة القدم لم نعرف التعدد في أدوار البطولة.. هناك احتكار لأدوار البطولة الكروية، كما في السياسة حيث لم نعرف الديمقراطية.. عندما نخسر في كرة القدم فهناك مؤامرة من الحكام أو أرضية الملعب، تماماً مثلما نخسر في السياسة فهناك عالم يتآمر علينا ولا يحب لنا الخير والسلام.. وفي كرة القدم كما في السياسة نحول الانتصارات الصغيرة إلى معجزات خارقة وغالباً ما ننسب المعجزة الوهمية إلى فرد سواء كان لاعباً أو سياسياً».

غير أن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى آخرين يعتبرون العلاقة بين الكرة والسياسة مفتعلة، ويحذرون من خطرها. وهم لا ينكرون، بتوجههم هذا، وجود علاقة بين الكرة والسياسة، ولكنهم يرفضون اعتبارها أمراً طبيعياً ناهيك عن أن يكون بديهياً، لأن ما هو طبيعى في نظرهم هو التعامل مع كرة القدم، وأي لعبة أخرى، بوصفها مجرد رياضة لا أكثر ولا أقل. فهي في نظر هؤلاء ليست سياسة، ولا ينبغى أن تكون، ولا يجوز التعامل معها بوصفها صورة مصغرة للدولة، ولا تعبيراً عن انتماء وطني أو كبرياء قومي، ولا يصح اختزال الدولة في أقدام ورؤوس أحد عشر لاعباً في ملعب للكرة وفي مباراة مدتها تسعون دقيقة.

كما يرى أصحاب هذا الاتجاه أنه من السخف أن يكون فوز هؤلاء اللاعبين مصلحة وطنية للدولة، والعكس، كما أن التشبيه بينهما في موضوع المنافسة باعتبار أن الكرة والسياسة تقومان على التنافس، يبدو مجرد زعم ضعيف لأن التنافس في الكرة سلمى، والعنف هو الاستثناء، والأمر ليس كذلك في السياسة التي تعرف مستويات متفاوتة من العنف تبدأ باللغة المستخدمة في إدارة الخلاف وتنتهي بالاغتيال والتفجير، وفق ما يذهب إليه وحيد عبدالمجيد في مقاله «المونديال والسياسة.. أي علاقة؟».

وفي هذا الإطار ألقى الروائى والناقد الإيطالى الكبير أمبرتو إيكو عدة محاضرات حول اللعبة، ونشر دراسات سيمائية بعد مونديال 1990، حيث رآها علامة من العلامات التي ترتكز على الكذب؛ لأنها، رغم زيفها وسطحيتها، تؤخذ على محمل الجد، وتكون لها أحياناً عواقب خطيرة، حين تحدد بعض مسارات التنافس الاجتماعى والسياسي والاقتصادي والثقافي والإعلامي، وترتبط بالقوة والهوية.

ويتساءل الأديب إدواردو جوليانو، الذي تعامل مع كرة القدم على أنها مرآة للعالم التي تقدم ألف حكاية وحكاية مهمة فيها بعض معانى المجد والاستقلال والحب والبؤس: أهي أفيون الشعوب؟ ليستعيرها محل «الدين» وفق التصور الماركسى، حيث العبارة الشهيرة لكارل ماركس التي أراد بها فضح توظيف الدين في تخدير عقول الفقراء، ثم يقول «جوليانو»: «عبادة الكرة هي الشعوذة التي يستحقها الشعب، فالغوغاء المصابة بمس كرة القدم تفكر بأقدامها، وهذا من خصائصها، وفي هذه المتعة التبعية تجد نفسها، فالغريزة البهيمية تفرض نفسها على الجنس البشرى، والجهل يسحق الثقافة، وهكذا تحصل الدهماء على ما تريد».

ووصل الأمر إلى أن نجد من يدخل الكرة في مساحة «الحلال» و«الحرام»، فجعل أصلها وثنياً، وأنها قد تم نشرها بين المسلمين لإفسادهم، وتضييع أوقاتهم، وتبديد طاقاتهم، وإلهائهم عن ذكر الله، اللهم إلا إذا كان المقصود من لعبها هو تعلّم الكر والفر في ساحة الجهاد.

لكن عالم الدين المصرى الشهير الشيخ محمد متولى الشعراوي ذهب إلى معنى أكثر حصافة حين قال: «حكموا اللعب بقانون الجد، وحكموا الجد بقانون اللعب»، وكان يقصد أن الإجراءات والأداءات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لا تحكمها قواعد مستقرة ومنضبطة وعادلة وشفافة، بينما تتوافر مثل هذه القواعد في الألعاب الرياضية، وهو في نظره من قبيل المفارقة اللاذعة بين الكرة والسياسة.

ويلمس الفيلسوف المصري حسن حنفي هذه المفارقة، حين يجعل الكرة والسياسة في موضع متناقض، أو يقيم منافسة بينهما، هي محل رفض لديه، حيث يحل التحزب للنوادي محل التحزب السياسي، ويصنف الناس بين الولاء للنوادى ورموزها وألوانها بدلاً من الولاء للأحزاب وشعاراتها، وما زاد الطين بلة نشوء ظاهرة «الألتراس» ultra حيث الشباب شديدو الولاء لأنديتهم الرياضية، يرتدون زياً معيناً له لون واحد، ويطلقون هتافات خاصة، ويقومون بحركات مميزة، كما كان الأمر في الشباب السياسى، القمصان الخضر في حزب مصر الفتاة، التنظيم السري في جماعة الإخوان، وشباب الطليعة الوفدية، وربما أيضاً شباب الحزب النازي، مع الفارق.