المستشار أحمد بركات: أين نقف على الطريق؟

كتب: محرر

المستشار أحمد بركات: أين نقف على الطريق؟

المستشار أحمد بركات: أين نقف على الطريق؟

الطريق ليس مساحة تفصل بين نقطتين، بل لحظة اختيار تفصل بين موقفين.

منذ أن عرف الإنسان معنى الوطن، وهو يقف على الطريق ذاته؛ مرة يحمل سيفاً، ومرة يحمل كلمة، ومرة يحمل مسئولية أمة كاملة، تتبدل الأسماء والأزمنة، لكن السؤال لا يتغير حين تأتي لحظة الاختبار، في أى جهة من الطريق سنقف؟

إن الطريق ليس مكاناً، إنما اختبار متكرر للإنسان، تتغير فيه الأزمنة وتبقى الحقيقة واحدة لا تتغير: أن موقعك على الطريق أهم من الطريق نفسه، فهنا وعلى نفس الطريق، ورغم اختلاف الأزمنة وتبدل الأحداث، وقف جندي يحمل السلاح، وفارس يحمل الكلمة، وقائد يحمل الوطن، ورغم تبدل الأدوات، ظل المعنى واحداً، وهو أن قيمة الطريق لا تكمن في شكله، بل في الموقف الذي يتخذه الإنسان عليه.

فنحن لا نسير في طرق مختلفة كما نعتقد، بل نقف جميعاً على الطريق نفسه، لكننا نختلف في الجهة التى نختار أن نقف فيها، وفي مقدار ما نتحمله من مسئولية تجاه ما نؤمن به، فعلى هذا الطريق يقف جندي اختار أن يدفع حياته ثمناً لبقاء وطنه، وفي الجهة المقابلة يقف من تراجع عن لحظة المواجهة، لم يتغير الطريق حينها، وإنما تغيرت الإرادة.

وعلى الطريق نفسه يقف إعلامي يجعل من الكلمة أداة للدفاع عن الدولة، بينما يستخدم آخر الكلمة ذاتها في الاتجاه المعاكس، وبين الموقفين لا توجد مسافة مهنية فقط، بل مسافة في فهم معنى الوطن وحدود المسئولية تجاهه، وعلى الطريق نفسه أيضاً يقف قائد يقرأ الخطر ويتحمل تبعات قراره كاملة، بينما يختار آخر المراوغة أو الصمت أو تأجيل المواجهة، قد يبدو المشهد من الخارج واحداً، لكن زاوية الوقوف مختلفة.

وفي التاريخ لا يتغير هذا القانون، فالدول مثل الأفراد تُختبر على الطريق ذاته وإن اختلفت الأسماء والأزمنة، فمن أحمس الذي حمى فكرة البقاء الأولى لهذا الوطن، إلى قطز الذي أوقف زحف الفوضى، إلى صلاح الدين الذي أعاد التوازن للمنطقة، إلى السادات في لحظة العبور واستعادة الكرامة، ظل السؤال واحداً: كيف يبقى الوطن؟

وعلى الطريق ذاته، وقف الرئيس عبدالفتاح السيسى في واحدة من أكثر مراحل الدولة المصرية تعقيداً، لا يحمل إلا إيمان الجندى بوطنه وإرادة الدولة في البقاء، ليكون درعاً تحول بين الوطن وبين عواصف كادت تعصف باستقراره، مؤكداً أن معارك الأوطان لا تُخاض دائماً على الحدود، بل قد تُخاض أحياناً في سبيل الحفاظ على الدولة نفسها، وصولاً إلى الدولة الحديثة وهى تواجه تحديات البقاء والاستقرار في عالم تتسارع فيه الأزمات وتتشابك فيه المصالح.

لم يكن هؤلاء جميعاً في طرق مختلفة، بل في الطريق نفسه الذي يُعاد اختباره عبر الزمن؛ طريق تُعرض عليه الدولة في كل عصر بصورة جديدة من الخطر، ويُطلب منها الجواب ذاته: هل يبقى الوطن قادراً على الاستمرار أم يتراجع أمام التحديات؟

وفي الجهة الأخرى من الطريق لا يظهر اسم واحد بقدر ما يظهر نمط متكرر؛ من يضيق فكره عن رؤية اللحظة التاريخية، أو يقدّم المصلحة الضيقة على المصلحة العامة، أو يختار حياداً يبدو صامتاً لكنه في جوهره انسحاب من المسئولية، وهكذا لا يصبح التاريخ سلسلة من الأحداث المنفصلة، بل إنه سؤال واحد يتكرر بأشكال مختلفة، مجبر الإنسان في كل مرة على الإجابة عنه: أين نقف على الطريق؟

ولا يقتصر الوقوف على الجبهات العسكرية أو ساحات السياسة وحدها، بل يمتد إلى مساحة أكثر هدوءاً وتعقيداً وهى الدبلوماسية، فعلى الطريق نفسه وقفت مصر في أوقات دقيقة حارساً للتوازن الإقليمي، تتحرك بين أطراف متشابكة، وتدير علاقات معقدة، وتستخدم الحوار والاتصال والوساطة لتقليل احتمالات الانفجار واحتواء التصعيد، ولم يكن ذلك خروجاً عن الطريق، بل كان شكلاً آخر من أشكال الثبات عليه، حيث تصبح الكلمة المدروسة والاتصال الهادئ والتفاوض المسئول أدوات لحماية الاستقرار، لا تقل أهمية عن أي شكل آخر من أشكال الدفاع عن المصالح الوطنية والقومية.

وفي هذا السياق برزت جهود متواصلة للوصول إلى لحظات تهدئة ووقف لإطلاق النار واحتواء للصراعات، في مشهد يؤكد أن حماية الأوطان لا تتم دائماً بالصوت المرتفع، بل قد تتحقق أحياناً عبر إدارة الصمت بحكمة.

وحين نطالع صفحات التاريخ، لا نحتاج إلى الذهاب بعيداً، ففي عام 1956 عاد الطريق ليختبر معنى السيادة الوطنية، حين واجهت مصر العدوان الثلاثى وتمسكت بحقها في قرارها المستقل، وفي كل اختبار تاريخي، لم يكن السؤال عن حجم الخطر، بل عن موقع الوقوف في مواجهته.

وفي عام 1967، لم يكن الانكسار حدثاً عسكرياً فحسب، بل لحظة مراجعة كبرى لمواقع الوقوف على الطريق، وفي عام 1973 عاد الطريق ليعيد تعريف نفسه من خلال قرار العبور، حين أصبح الفعل هو اللغة الوحيدة الممكنة لاستعادة التوازن.

وفي 30 يونيو عاد السؤال القديم ليُطرح على المصريين بصورة جديدة؛ هل تبقى الدولة المصرية إطاراً جامعاً لكل أبنائها، أم تدخل مرحلة من الصراع المفتوح على هويتها ومؤسساتها؟ بدا المشهد شديد التعقيد، لكن جوهره كان بسيطاً؛ فهو وطن يبحث عن الاستقرار، وملايين خرجت لتعلن موقفها من مستقبله، وكما حدث في كل المنعطفات الكبرى، وعندما جاءت لحظة الاختيار، لم يكن المصريون يصنعون طريقاً جديداً، بل كانوا يحددون موقعهم على الطريق ذاته الذي وقفت عليه الأجيال السابقة كلما واجه الوطن اختباراً وجودياً، لم يكن السؤال ماذا جرى، بل أين وقف كل طرف عندما جاءت لحظة الاختيار.

ومع مواجهة الإرهاب أصبح الطريق أكثر وضوحاً وأشد قسوة؛ بين مَن يقف لحماية الحياة والاستقرار، ومن يبرر الفوضى أو يغذيها أو يكتفي بالصمت أمامها، وحتى على المستوى الإنسانى الأوسع يبقى الاختبار قائماً؛ إنسان يختار جهة البناء، وآخر يختار جهة الهدم، رغم أن البداية واحدة والطريق واحد.

هكذا يمضى التاريخ؛ لا يغير أسئلته كثيراً، بل يغير وجوه من يجيبون عنها، تتبدل الرايات، وتتغير الخرائط، وتتنوع أدوات الصراع، لكن الطريق يبقى هو الطريق، وعندما تطوى صفحات العصور، لا يسأل التاريخ كم كان الطريق طويلاً، بل يسأل سؤالاً واحداً، أين وقف الرجال حين جاءت لحظة الاختيار؟