ماذا بعد «إسكات البنادق»؟
أخيراً وضعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية أوزارها وسكتت البنادق والمدافع وخفت أزيز الصواريخ وتراجعت لغة التهديد والكل يحدوه الأمل أن يسود السلام فيما بعد مهلة الستين يوماً.. لكن يبقى السؤال الأكبر الذي يشغل الجميع.. ماذا بعد الحرب الأمريكية الإيرانية؟
في قاموس السياسة أنه حين تسكت البنادق، يبدأ السياسيون في حساب المكاسب والخسائر وعندما تضع واشنطن مصالحها على الطاولة، قد تكتشف أن إسرائيل، حليفتها الأقرب، كانت مصدراً للضغوط وتسببت في إسقاط هيبة القطب الأوحد في العالم.
نعلم أنه خلال السنوات الماضية، كانت إسرائيل ترى في الصراع مع إيران فرصة ذهبية لإبقاء المنطقة في حالة توتر دائم، وتقدم نفسها باعتبارها الحليف الذي لا غنى عنه للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، لكن الحرب خلقت حقائق جديدة وفرضت حسابات مختلفة.
الآن الولايات المتحدة الأمريكية لا تنظر إلى المنطقة من زاوية أمن إسرائيل فقط بل من زاوية مصالحها الاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية. فإذا كانت الحرب قد استنزفت الجميع وهددت أسواق الطاقة وأربكت الاقتصاد العالمى، فإن واشنطن قد تجد نفسها مضطرة للانتقال من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة فرض التهدئة.
والسؤال الذي يفرض نفسه هل تستطيع إسرائيل مواصلة سياسة التصعيد إذا كانت الإدارة الأمريكية تبحث عن الاستقرار؟ وهل تقبل واشنطن أن تتحول المنطقة إلى ساحة حروب مفتوحة تهدد مصالحها وحلفاءها؟
بالتأكيد لن تكون «العين الحمراء» الأمريكية موجهة ضد إسرائيل بمعنى الصدام أو القطيعة، لكنها قد تظهر في صورة ضغوط سياسية، أو مطالب بوقف التصعيد، أو العودة إلى مسارات التفاوض، أو الحد من السياسات التي تهدد الاستقرار الإقليمى.
المتابع للأحداث خلال الأيام الماضية يدرك أن هناك تغييراً في لهجة الخطاب الأمريكى تجاه إسرائيل ونتنياهو، فـ«ترامب» هدد إسرائيل علناً وقال: «لولا وجودى وتدخلى لكانت إسرائيل قد سُحقت»، ثم فجر قنبلة سياسية في قلب حكومة نتنياهو عندما قال إنه يريد أن يرى باقى المرشحين الذين سيخوضون الانتخابات أمام نتنياهو حتى يقرر مَن سيدعم.. وهذا يعنى رسمياً أنه في الغالب لن يدعمه، وسوف يرفع عنه الغطاء السياسى تماماً، كما انتقد سياسة الردود العسكرية الإسرائيلية المبالغ فيها على أحداث محدودة خاصة في لبنان، ورأينا نائب الرئيس الأمريكى جى دى فانس يتحدث بنبرة حادة تجاه الأصوات الإسرائيلية التي تهاجم الإدارة الأمريكية بسبب التفاهمات الأخيرة مع إيران، حيث قال بشكل مباشر: «الرئيس الأمريكى هو الحليف والقائد العالمى الوحيد المتعاطف مع إسرائيل حالياً، ولو كنت عضواً في حكومة إسرائيل ما قمت بمهاجمة الحليف القوى الوحيد المتبقى لى في أى مكان في العالم بأسره»، وذكّرهم بأن الجزء الأكبر من السلاح اللى بيدافعوا بيه عن نفسهم قادم لهم من المصانع الأمريكية، ومدفوع ثمنه من جيوب دافعى الضرائب في الولايات المتحدة.
في المقابل، هدد وزير الأمن القومى الإسرائيلى إيتمار بن غفير، نائب الرئيس الأمريكى، جى دى فانس قائلاً: الذي يدعم إسرائيل سيكسب والذي يدير لنا ظهره فسيخسر، فلا تهددنا!!
هنا لا بد لنا أن نتوقف أمام عدة ملاحظات، الأولى أن الإدارة الأمريكية الحالية لأول مرة تتحدث بصراحة عن حجم الدعم الذي قدمته لإسرائيل عبر السنين، والثانية أن قطاعات متزايدة من الرأى العام الأمريكى بدأت تسأل إلى أى مدى تظل المصالح الأمريكية مرتبطة برغبات وضغوط جماعات النفوذ المختلفة.
«ترامب» وفريقه بعثا أكثر من رسالة معناها أن أى محاولات إسرائيلية لإفشال الاتفاق الذي كانت أمريكا تسعى له مع إيران يمكن أن يضر بالعلاقة الاستراتيجية بينهما وأنه ليس من الضرورى أن تكون إسرائيل طرفاً مقرراً في كل الملفات الإقليمية، وأن الولايات المتحدة قادرة على التحرك وفقاً لأولوياتها حتى لو لم يعجب ذلك بعض حلفائها.
وبدأت تظهر أصوات داخل المعسكر الأمريكى نفسه تتساءل عن منطق منع دولة بعينها من امتلاك قدرات تكنولوجية أو نووية، بينما إسرائيل ودول أخرى في العالم تمتلكها بالفعل، وهذا حديث لم يتم التطرق له من قبل، فهل تدور الدائرة على إسرائيل؟ .. يا رب.