كرة القدم والسياسة (5)
وفق المفكر نبيل عبد الفتاح، فإنه في ظل التسلطية السياسية، راح الشباب «ينخرطون في تشجيع الفرق الرياضية لا سيما كرة القدم ثم تشكيل فرق الألتراس كنتاج للعولمة وثورة المرئيات والرقميات، والتي تحولت بفعل موت السياسة والقمع إلى أحزاب سياسية بل وصلت إلى حد أن أصبحت أقرب إلى الطوائف ذات اللغة الخاصة، والشعارات، والانضباط التنظيمي الصارم، وقدرة قادتها على الحشد، والتعبئة، وتوظيف الطاقات الجيلية الشابة، في التشجيع للفريق، والتأثير على إدارة الفرق الرياضية، وعلى مجالس إدارات الأندية والمدربين واللاعبين، والأخطر أنها تمارس ضغوطاً ثأرية على السلطة السياسية، والأمن.. ظاهرة الألتراس هي الوجه الآخر الموازي لسعي بعض المنظمات الدينية والسلفية لتديين المجالين العام والخاص، والسياسة، وتضييق دائرة الأنشطة الشبابية والجماهيرية في إطار التدين المذهبي المسيس، ومن ثم وجد غالبهم في الألتراس ملاذاً وفي كرة القدم مجالاً واسعاً لاستيعاب طاقاتهم».
ومع هذا، فإن التناقض في السمات والخصائص والآليات لا يعني الافتراق التام بين المجالين، لا في الواقع ولا في التصورات الافتراضية، لا في الحقيقة ولا في المجازات. فالذين يستعيرون الكرة في عالم السياسة، ويستعيرون السياسة في عالم الكرة، لن يكفوا عن فعل هذا، لا سيما في ظل وجود عوامل تزيد من تعميق وجود كرة القدم كظاهرة اجتماعية سياسية، ربما أولها هو التعويل عليها في تخفيف حدة الخلاف بين الشعوب عبر ما تسمى بـ«دبلوماسية الرياضة»، وكذلك في حوار الحضارات وتعزيز التعارف بين البشر، وبناء نمط جديد من العلاقات الدولية، والمساهمة في إيجاد مجال بديل للتنافس الدولي بعيداً عن التناحر والاقتتال والحروب، كما أنها صارت قوة ناعمة للدول، فدولة مثل البرازيل حظيت، ولا تزال، باحترام شديد في العالم كله لبراعة منتخبها الوطني.
وهذا معناه أن الاستعارة السياسية لكرة القدم ستظل قائمة بغض النظر عن موقف ورأي بعض الذين يرفضون المبالغة في التعامل مع هذه اللعبة الجماعية، إذ إن الجمهور العريض المتيم بها لن يقبل إزاحتها عن دائرة الاهتمام والانشغال العام، وسيكون أكثر تقبلاً وتفاعلاً مع الرأي الذي يذهب إلى أن كرة القدم يمكن أن تفلح في صناعة صورة لا تتمكن من تشكيلها آلاف الخطب والكتب والوعظ المباشر. ففي وقت تُرسم فيه صورة سلبية للمسلمين في أوروبا نظراً لما ترتكبه الجماعات والتنظيمات الإرهابية من أعمال عنف دموي، لا سيما بعد استهدافها المنظم والمتواصل لمدن أوروبية، نجد أن براعة لاعب واحد هو المصري محمد صلاح في صفوف فريق ليفربول الإنجليزي تجعل جمهور الفريق ينشد في تبتل:
«إن كان جيداً كفاية بالنسبة لكم
فهو كذلك بالنسبة لي
إن سجل بعض أهداف أخرى
سأصبح مسلماً أنا أيضاً
إن كان جيداً كفاية بالنسبة لكم
فهو كذلك بالنسبة لي
جالساً في مسجد
هناك حيث أريد أن أكون».
ثم نجد شبلاً إنجليزياً، لا يدين بالإسلام، ينجح في أحد التدريبات بتسديدة ناجحة لضربة جزاء، يجري فوق البساط الأخضر، ثم يسجد لله شكراً، تماماً كما يفعل «صلاح»، بعد إحرازه الأهداف.
ورغم أن الاتحاد الدولي «فيفا» يحظر تدخل السياسة في أمور الكرة، فهناك مَن يرون في هذه العلاقة أمراً طبيعياً بل إنه بديهي، لأن الكرة هي الرياضة الجماعية الأكثر شعبية التي تتنافس فيها فرق وطنية يلعب كل منها باسم دولته. وتبدأ المباراة بعزف الموسيقى الوطنية لدولتي الفريقين المتنافسين اللذين يرفع كل منهما العلم الوطني، كما أن هذا العلم يرفرف عادة في مدرجات المشاهدين، وبذا تبقى العلاقة ثابتة وفوق هذا الاجتهاد الذي يرى أصحابه أنه ما من ظاهرتين يتقاطع فيهما الانتماء إلى الوطن والمصلحة الوطنية، وتعلو الاستعارة المتبادلة بينهما، مثل كرة القدم والسياسة.