سلطان العقل
كلمة «سلطان» من الكلمات التى تكرّر ظهورها داخل آيات كثيرة من القرآن الكريم، ورغم ما تحمله الكلمة من معانٍ مختلفة فى سياق الآيات الكريمة، إلا أن هناك معنى أساسياً تشير إليه، وهو معنى السُلطة التى يملكها طرف على طرف، فالسلطة مصدر قوة، وللقوة أسباب كثيرة، فمنها قوة العقل والبرهان والحجة، ومنها قوة الموقع والتأثير، ومنها قوة العلم والمعلومة، ومنها قوة الكتب السماوية المنزلة أو بعبارة أخرى قوة الرسالة، ومنها قوة البنية المتعلقة بعبقرية الخلق والقدرة الإلهية.
الخالق العظيم يرد الناس دائماً إلى حكم العقل، ويدعوهم إلى تشغيل عقولهم، ويحتج القرآن الكريم على من ينكر رسالة السماء بمنطق العقل والتفكير السليم، فحسابات العقل لا تخطئ، أما حسابات الهوى والمزاج والميول الذاتية فعادة ما تكون خاطئة.
وقد لجأ أنبياء الله إلى العقل وارتكنوا عليه كأداة فى مواجهة من ينكرون رسالتهم. ظهر ذلك فى حوار نبى الله هود مع قومه، حين قال لهم: «أَتُجَادِلُونَنِى فِى أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ»، فقد أراد أن يوضح لهم أن أوثانهم التى يدافعون عنها مجرد أسماء بلا معانى، وتماثيل صماء، عاجزة عن الفعل، لا تضر ولا تنفع، إنها حجارة ساكنة لا تقدم أى حجة أو برهان أو دليل على القدرة، وهى تترك من يعبدها خالى اليد من أى حجة يحتج بها، فكيف يمكن أن يُعين الجماد الصامت إنساناً على تقديم حجة مقنعة، كيف يحتج إنسان بالصمت العاجز؟
وقد كان موقف أهل مكة من الأوثان شبيهاً بموقف من سبقوهم من الأمم التى عبدت هذه التماثيل وعكفت عليها، فكانوا يدافعون بكل طاقتهم عن آلهتهم الحجرية، ولم يتوقف أحد منهم فى لحظة ليسأل نفسه: كيف أعبد حجراً أصم لا يضر ولا ينفع؟ كيف أعبد ما أنحت بيدى؟ لأنهم ببساطة كانوا محكومين بالولاء للآباء والأجداد، فقد ورثوا عبادة الأصنام عنهم، وكان من الصعب عليهم أن يتركوا أو يفارقوا ما وجدوا عليه آباءهم وأجدادهم، مسألة الولاء للصنم لم تكن محكومة بعقل أو فكر، بل بقوانين الوراثة وسلطة الهوى الغلاب الذى يجعلهم يميلون نحو الاستمرار على خط الراحلين من كبارهم.
يقول تعالى فى سورة «النجم»: «إِنْ هِىَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى». فالأصنام أسماء وليست أفعالاً أو معانى، فأى معنى ذلك الذى يسكن قلب الحجر؟ وأى مرونة عقلية تلك التى يمكن أن يتمتّع بها أصحاب القلوب الحجرية القاسية؟ فالخطاب فى الآية الكريمة يتوجّه إلى مشركى مكة الذين فعلوا مثلما فعل غيرهم من الوثنيين، حين آمنوا بأسماء حجرية لا تتمتّع بحجة أو برهان على ألوهيتها.. فكيف للحجر أن يتأله؟ وتوضح الآية الكريمة أن الوثنيين مدفوعين بالظن وليس باليقين، وبهوى النفس وليس بمنطق العقل، ولا يلتفتون إلى ما ترسله السماء من هدى يحمل اليقين العقلى لمن يحكمهم العقل وليس الهوى.