كرة القدم والسياسة (6)
يُعد الحضور السياسى فى مباراة كرة قدم ليس جديداً، بل صار سمة ظاهرة، فعلى سبيل المثال هناك من تتبع تاريخ العلاقة بين السياسة وكرة القدم فى مصر، بدءاً بدور الاحتلال البريطانى، ومولد الأندية الشهيرة، وصعود أهل الحكم والقصر إلى المواقع والمناصب الكروية، مثلما يخبرنا ياسر ثابت فى كتابه «حروب كرة القدم».
وعلى مستوى أوسع التقط الظاهرة نفسها كتاب بعنوان الجوانب الجيوسياسية فى كرة القدم، Geopolitique du Football، Bruxelle، والذى صدر عن أحد المراكز الاستراتيجية الفرنسية، وشاركت فى إعداده نخبة من الباحثين، وحرره باسكال بونيفاس، حيث تم التعامل مع هذه اللعبة على أنها متابعة الحرب بوسائل أخرى وهذا هو الوصف الذى كان المنظر الاستراتيجى كلاوزفتش قد أطلقه على السياسة، وأنها صارت «إمبراطورية بلا حدود».
فقد صارت كرة القدم التى تستعير من الاقتصاد لغته حين تتحدث عن احتكار الكرة، وربح النقاط وخسارتها والرهان والعلامة الكاملة والحسابات المفتوحة، الظاهرة الأكثر كونية فى عصر العولمة، وهى تبدو أشمل من اقتصاد السوق وعملية الدمقرطة، وباتت إحدى الأدوات القوية فى الدبلوماسية الدولية، حيث يمكن، فى رأى هؤلاء، أن تساهم فى توحيد شطرى كوريا أو دفع عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كما يمكن لها أن تكون إحدى وسائل تحقيق الوحدة الوطنية فى البلاد متعدّدة الأعراق واللغات والديانات، حين تتضافر مختلف الجماعات حول المنتخب الوطنى، الذى يُعد رمزاً تعلق عليه الأمة بعض آمالها، خصوصاً إذا كان يضم تحت لوائه لاعبين ينتمون إلى هذه الجماعات.
كما يحفل الخطاب الرياضى بالاستعارة المستمدة من الحرب، لاسيما حين يسعى المعلق الرياضى إلى إضفاء حيوية ومتعة على المباراة، فينتج الكثير من الاستعارات، سواء كان واعياً أم غير واعٍ، بغية إمتاع المتلقى وشد انتباهه.
حسب رؤية أمين البلالى، فى دراسة له بعنوان «استعارات الحرب فى الخطاب الرياضى: مقاربة معرفية».
وربما لهذا، ولأسباب أخرى تتعلق بجوهر اللعبة نفسها، قال إيكو: «كرة القدم طريقة لعمل الحرب بوسائل أقل دموية مما تعودناه»، وهى مسألة يُعزّزها جوليانو أيضاً بقوله:
«فى كرة القدم، وهى طقس حربى مهذّب، يكون ١١ رجلاً يلبسون سراويل قصيرة هم سيف المنطقة، المدينة أو الأمة. يخلّص هؤلاء المحاربون غير المسلحين ومن دون دروع، الجمهور من شياطينه ويعيدون تثبيت إيمانه: فى كل مواجهة بين طرفين، تدخل العداوات القديمة والشغف القديم الذى ينتقل من الآباء إلى الأبناء، تدخل فى المعركة. تنقلب كرة القدم، وهى استعارة للحرب، إلى حرب حقيقة أحياناً. ولا يعود الموت الفجائى اسماً لطريقة مأساوية فى تحديد نتيجة مباراة تعادل. هذه الأيام، أصبح التطرّف فى التشجيع فى كرة القدم يحتل مكاناً كانت تحتله فى السابق الحماسة الدينية، والغيرة الوطنية والشغف السياسى. وكما يحصل أحياناً مع الدين والوطنية والسياسة، تجعل كرة القدم التوتر يحتدم ويُرتكب العديد من الفظاعات باسمها».
وهذا «النسق العسكرى السياسى» للاستعارة توزّع على أربعة ألوان من الاستعارة، الأول متعلق بالفضاء واتجاهاتِه (المعسكر - الميدان - المعترك - الجبهة الأمامية - الوسط - الخلف) والثانى يتمثّل فى استعارة الوسيلة (النهج التكتيكى - الدفاع - الهجوم - الحملة المضادة والمنظمة والسريعة) والثالث هو استعارة المنفذ والضحية (الكتيبة - جندى الخفاء - رأس حربة - الخصم)، ثم استعارة النتيجة (الانتصار - الفوز - الظفر باللقب).
وهذه الخاصية الجيوسياسية لكرة القدم ليست جديدة، فها هو جوليانو يقول:
«عند سور مستشفى للمجانين، فى ميدان مقفر فى بيونس أيرس، كان بعض الفتيان الشقر يتقاذفون كرة بأقدامهم.
سأل طفل:
- من هؤلاء؟
أخبره أبوه:
- إنهم مجانين، إنجليز مجانين.
الصحفى خوان خوسيه دى سويثا ريبللى. يتذكر هذه الحادثة من طفولته. ففى الأزمنة الأولى كانت كرة القدم لعبة مجانين فى منطقة ريو دى لابلاتا (الأرجنتين وأوروجواى). ولكن فى أوج التوسّع الإمبراطورى صارت كرة القدم سلعة بريطانية للتصدير لا تقل شهرة عن أقمشة مانشستر أو القطارات أو قروض مصرف باريتجز أو مذهب حرية التجارة».