سلطان القدرة
«سلطان القدرة» يعني به امتلاك القوة التي تجعل طرفاً قادراً على قهر طرف آخر على شيء، وإذا كانت سلطة العقل مدارها الإقناع، فسلطان القدرة مداره الإملاء، أن يملي شخص على شخص ما يريد، فيمتثل الثاني لما أُملي عليه.
الملفت أن القرآن الكريم حين تحدث عن سلطان الشيطان على البشر لم يحدده في مربع القدرة، بل في مربع الغواية. فالشيطان لا يملك سلطاناً على عباد الله ولا ولاية له عليهم.. قال تعالى في سورة «إبراهيم»: «وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم».
هذه الخطبة العجيبة التي يخطبها الشيطان في البشر تؤكد أنه لم يكن يملك عليهم أية سلطة أو سلطان يقهرهم به على ما يريد، وكل ما في الأمر أنه دعاهم فاستجابوا له.
المسألة إذن في الغواية وليس في الإملاء. فالإنسان ينساق للشيطان بإرادته، لذلك فاللوم ليس على الشيطان فقط، بل على من يستجيب له أيضاً.
ولو أننا فهمنا كلمة "سلطان" في الآية الكريمة على أنها تعني الحجة أو البرهان، فسوف نخلص إلى أن الناس تستجيب للشيطان دون أن يقدم لهم حجة أو برهاناً، فهو يكتفي فقط بغوايتهم، ومغازلة غرائزهم، والعزف على أوتار هواهم وما يروق لهم.
وتجد فكرة الجدل بين شياطين الإنس وشياطين الجن حاضرة أيضاً في سياق الحديث عن «السلطان» بمعنى القوة القاهرة التي يمارسها أحد الطرفين على الآخر. فالقرآن الكريم يشير إلى أن شياطين الإنس والجن يتعاونون مع بعضهم البعض في عداوة أنبياء الله ورسالاتهم.
قال تعالى في سورة «الأنعام»: «وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً».
هذان الطرفان يدخلان مع بعضهما البعض في جدل كبير يوم القيامة حكت عنه سورة "الصافات"، وهو جدل ينتهي إلى أن يؤكد شياطين الجن لأصدقائهم من الإنس أنهم لم يملكوا قوة أو سلطاناً عليهم يجبرونهم به على ما يريدون، وأن كل ما فعلوه أنهم استفزوا واستثاروا مشاعر الطغيان التي تسري في دمائهم فأيقظوها، إنها الغواية من جديد وليس سلطان القهر. قال تعالى: «وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ ۖ بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ».
فحين يجادل الإنسان لابد أن يجادل بالحجة والبرهان والعقل والمنطق وليس بالهوى والغرض، ومن يتخلى عن العقل هو مجرد إنسان غلبه الكبر وسيطر عليه وسمم نفسه.. قال تعالى في سورة "غافر": «إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ۙ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ ۚ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ».
والمؤمن يعرف قيمة الحجة والبرهان ويدعو ربه باستمرار أن يهبه من العقل ما يمكنه من التفاعل مع الحياة وأحداث الحياة باتزان إيماني وتوازن نفسي.. قال تعالى في سورة الإسراء: «وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً».