فوق رؤوسنا سحابة!

رحاب لؤي

رحاب لؤي

كاتب صحفي

كيف يمكن للضحية أن تتحول لجلاد؟ سؤال يمكن العثور على إجابته بشكل مؤلم، وربما مؤذٍ، داخل الرواية الفريدة «فوق رأسي سحابة» للطبيبة والكاتبة المصرية دعاء إبراهيم، والتي كانت قد وصلت إلى القائمة القصيرة للبوكر. لم أكد أنتهي من قراءتها حتى وجدتني متأثرة للغاية بأجوائها الرهيبة، تلك التي تخنقك وتمنح شعوراً بعدم الارتياح، وأيضاً عدم القدرة على الهروب من بين السطور أو من قسوة الأحداث، أنت هنا في مواجهة هذا الكم من الرعب ولا سبيل للخروج، سوف تبقى رغماً عنك حتى النهاية.


تبدأ الرواية بطفلة تنشأ وسط عائلة مضطربة، أب غاب وأم ليست أماً في الواقع، تتعرض الصغيرة لأمور أكبر من قدرتها على الاستيعاب، فتتحول إلى قاتلة من طراز خاص جداً، قاتلة لا تأنف من قتل أمها، ومن القضاء على طفل صغير، وربما رجل عجوز لطيف، لا أحد ينجو من تحت تلك اليد التي لم تستطع صاحبتها النجاة من مأساتها التي بدأت في البحر، فأغرقت معها الجميع.


قرأت الرواية وفي الوقت ذاته تابعت تفاصيل حادث مروع تزامنت مع قراءتي المتأخرة، غير أنني لم أستطع صرف نظري عن هذا الكم من المآسي الذي صرت أفسره على طريقة الدكتورة دعاء، حيث لا تقف الأحداث المؤذية عند حدود وقوعها، ولا ينتهي التأثير بانتهاء الحدث، أثر الفراشة مرعب ومستمر ومدمر أيضاً حتى لمن لا علاقة لهم بالحادث الأصلي.


تواصلت تنبيهات الهاتف لتحديثات المواقع التي تواصلت بشكل محموم، فتاة صغيرة وزميلها (قاصران)، دهسا شابة جميلة للغاية، اصطلحت البيانات الرسمية والمواقع على تسميتها بـ«بائعة الشاي» هكذا، فجأة تم اختزال حياة كاملة ومشاعر وطموحات ومحاولات وأفكار وأحلام لـ«بائعة شاي» تم دهسها، ثم ماذا؟ صراع مرير بشأن أمور ربما أكثر إيذاء من الحادث نفسه، هل أخرجت الشابة المتهمة لسانها للناس تشفياً أم سوء أدب، هل كانت هي من تقود أم زميلها؟ هل يمتهن والدها مهنة رسمية أو لا، هل ارتكبت الجرم أصلاً أو زميلها؟ لماذا كانا يقودان السيارة وحدهما؟


ثقة عمياء من والد المتهمة بها، هكذا خرج لينفي عنها جرم «القتل» وإن لم يشهده، بينما على الجانب الآخر خرجت امرأة قيل إنها والدة الضحية لتنفي عن ابنتها ما بدا كأنه «تهمة» فراحت تؤكد بحرارة شديدة «كانت زبونة وليست بائعة شاي، تنفق ألف جنيه في اليوم ونملك عمارات».


شعرت بالسحابة تكبر شيئاً فشيئاً فوق رؤوس الجميع، هكذا تصالح المتابعون مع قيادة مراهقين لسيارة من دون ترخيص، وكأنها من المسلمات، وخرجت الروايات أخيراً من محيط الحادث لتؤكد أن الحادث ليس حالة فردية وأن قيادة القصر لسيارات عائلاتهم أمر عادي هناك ولا بلاغات أو شكاوى أو شيء.


عائلات قتلة محتملين تنفي عن نفسها «الغنى» وعائلة مجني عليها تنفي عنها «الفقر»، غضب تفجر لدى كثيرين فقط لأن المتهمة كانت ترتدي ملابس لا تبدو لهم ملائمة، ربما أكثر من الفعلة التي تبحث الشرطة إن كانت فعلتها بنفسها أو لا.


أقرأ تفاصيل من الحادث ثم أعود للرواية، تقول دعاء، وكأنها نفذت إلى قلب هدير لحظة الحادث: «يخفت صوت قلبي تدريجياً، ثم يقف تماماً ويرسم خطاً مسموعاً وحاداً، بعدها أتلاشى في الفراغ، وأتشظى لآلاف الذرات، أرانى في الهواء بلا وجود مادي، كنقط شفافة، كريش طائر مذعور يريد فقط أن ينجو، أضغط على زر الإعادة، فتتحرك كل الذرات للخلف، تجتمع، تسيل، تتشكل كخط طويل بلا نهاية، أبيض على شاشة سوداء أقصر من أن يقول الحقيقة، لكنه رغم كل شيء قادر على صناعة الضجيج».


لو مر الجرم «الحقيقي» الذي تاه وسط عشرات الجرائم «المتخيلة» التي اجتهد أطرافها في نفيها من دون داعٍ، فسوف يكون هناك في كل يوم جديد هدير آخر لا يقدر على الحديث عن نفسه كما يريد، أو يغير التفاصيل، أو يضغط على زر الإعادة، لن يبقى وقتها سوى المزيد من البشر الذين فوق رؤوسهم سحابات لا يفرقون معها بين الحقيقة والوهم، الخطأ والصواب.