كرة القدم والسياسة (8)

لم يكن رئيس أوروجواى خوسيه باييه، ذو المرجعية اليسارية، يمزح حين وضع كرة القدم ضمن خطة إعادة التأهيل البدنى لأطفال بلاده، والتى كانت بحاجة إلى ثورة حقيقية، لترتبط اللعبة بقرارات مجانية التعليم، وتعميم تدريس التربية البدنية.

وسمحت تغييرات باييه بخوض لاعبى الكرة فى أوروجواى غمار دورى عمالى نظمته القوى الشيوعية المحلية انطلق مع بداية العشرينات، وبعد أقل من عقد واحد كانت أوروجواى تتسيد العالم فى كرة القدم، وتتقدم على التوازى فى التنمية والنمو، بما جعلها تتصدر وقتها قارة أمريكا اللاتينية فى مستوى معيشة الفرد.

كما وجدنا امتزاج الاشتراكية بالكرة فى الأساليب التى تحكم العمل فى نادى «تشى جيفارا الاجتماعى الشبابى»، قرب مدينة قرطبة الأرجنتينية، والذى يقوم بتنمية النشء، وتحسين الأوضاع المعيشية والثقافية للمجتمعات متوسطة الحال فى الإقليم.

3- من الممكن أن تمنح كرة القدم اللاعبين الذين لهم اهتمامات سياسية القدرة على أن يلعبوا دوراً بارزاً فى هذا الاتجاه، سواء أثناء ممارستهم اللعبة، أو بعد اعتزالهم.

فعلى سبيل المثال، أعطت كرة القدم الليبيرى جورج ويا الذى لعب لفريق «إيه. سى. ميلان» وفاز بجائزة أفضل لاعب فى العالم عام 1995، رأسمالاً اجتماعياً، وقدرات مادية فارقة نسبة إلى مواطنى بلاده، وكذلك صيتاً وذيوعاً واسعاً.

وقد كسب سيلفيو بيرلسكونى، صاحب نادى ميلان، الانتخابات وصار رئيس وزراء إيطاليا تحت شعار «قوة إيطاليا» المأخوذة من مدرجات ملاعب كرة القدم، حين وعد بأن ينقذ البلاد من أزمتها مثلما أنقذ فريق ميلان.

واستغل نجم كرة القدم البرازيلية رونالدينيو غاوتشو الذى حصل على لقب أفضل لاعب فى العالم 2005، شهرته فى الانضمام إلى صفوف الحزب الجمهورى البرازيلى، الذى يُعد الذراع السياسية للكنيسة العالمية لملكوت الله الإنجيلية، ودخل بقوة فى المساهمة فى مشاريع الحزب ومقترحاته على المستويين المحلى والفيدرالى.

4- لم تعد كرة القدم لعبة فحسب، بل أيضاً صارت عملية اجتماعية واقتصادية وسياسية وفنية متكاملة إلى جانب كونها مباريات رياضية، فهناك حكومات تُعنى بالكرة، إما إرضاء لشعوبها أو سعياً إلى خداعها واستغلال فوز يحققه الفريق الوطنى لأغراض سياسية.

فالحكومات المأزومة مثلاً، أو التى تفتقد الشرعية أو المشروعية أو كلتيهما، تسطو على فوز المنتخب الوطنى لكرة القدم لبلدها وتنسبه لنفسها أو لسياستها وتحوله إلى نصر وطنى.

والمثل الصارخ على هذا ما فعلته الحكومات العسكرية فى أمريكا اللاتينية فى ستينات وثمانينات القرن العشرين، خصوصاً فى البرازيل والأرجنتين.

فالعسكريون الذين استولوا على السلطة فى البرازيل عام 1964 استغلوا فوز منتخب بلادهم بمونديال 1970 لتثبيت حكمهم، وكان فوز الأرجنتين بمونديال 1978 نقطة تحول باتجاه إضفاء شرعية على الحكم العسكرى للبلاد، الذى سعى إلى إقناع هذا الشعب بأن فوز منتخبه الوطنى على بريطانيا فى مونديال 1986 بهدفين يُعتبر تعويضاً عن الهزيمة العسكرية للجيش الأرجنتينى فى حرب الفوكلاند.

وما سبق هو نوع من استعارة كرة القدم فى ساحة السياسة كإنجاز، أو أحد الأسباب المكسبة للشرعية أو المعززة لها.

لكن هناك استعارة أكثر عمقاً ورمزية، تتمثل فى التعامل مع كرة القدم كراية، فاللاعب وفق جوليانو «ينطلق بالكرة بين قدميه، ولون العلم الوطنى على صدره، مجسداً الأمة لاقتحام الأمجاد فى ميادين معارك بعيدة»، فقد ربح الإيطاليون مونديالَى 1934 و1938 باسم الوطن وموسولينى، وكانوا يهتفون قبل كل مباراة «تحيا إيطاليا»، ثم يحيون الجمهور بالتحية التى تعارف عليها الفاشيون، حيث يبسطون راحات أيديهم المرفوعة.

وأعدم هتلر فريق دينامو كييف أثناء الاحتلال الألمانى لأوكرانيا لأنه رفض الامتثال لأوامر الطاغية بالانهزام أمام منتخب ألمانيا، وفاز عليه.

أما موسولينى فقد أرسل برقية من ثلاث كلمات إلى منتخب إيطاليا قبل خوضه المباراة النهائية لمونديال 1934 ضد المجر تقول: «الفوز أو الموت».