تحديات إدارة غزة البديلة
في خضم الأزمات التي يعاني منها قطاع غزة بعد اتفاق وقف إطلاق النار منذ نحو عشرة أشهر، وما يواجهه الوضع الحالي من بقاء إسرائيل مسيطرة على أجزاء واسعة من غزة (حوالي 70%) وانشغال العالم بما يحدث في مضيق هرمز والحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران التي لا تزال قابلة للاشتعال رغم الاتفاق على مذكرة التفاهم الأمريكية - الإيرانية، يبقى الوضع السياسي والعسكري في غزة على صفيح ساخن، محفوفاً بمخاطر الانهيار في أية لحظة، وفي هذا السياق جاءت توصية مسؤولين في الجيش الإسرائيلي بتنفيذ عملية عسكرية تستهدف نزع سلاح «حماس» في قطاع غزة في ظل تقديرات أمنية إسرائيلية تتحدث عن إعادة بناء الحركة جزءاً من قدراتها العسكرية والتنظيمية خلال فترة وقف إطلاق النار، مقابل مخاوف داخل المؤسسة الأمنية من أن تعارض الإدارة الأمريكية أي تصعيد واسع قد يهدد مسار الاتفاق الهش الذي جرى التوصل إليه في أكتوبر 2025.
ورغم أن الإمكانية العسكرية للجيش الإسرائيلي مرتفعة نسبياً، لكن يبقى التنفيذ الكامل يواجه عقبات سياسية ودبلوماسية هائلة تجعلها صعبة التحقيق بشكل كامل ومستدام، صحيح أن الجيش الإسرائيلي أثبت قدرته العسكرية على تدمير جزء كبير من غزة والبنية التحتية لـ«حماس» خلال الحرب منذ أكتوبر عام 2023، مما جعل الحركة تغير من استراتيجية المقاومة وتحولها إلى حرب عصابات، فـ«حماس» ليست جيشاً تقليدياً، بل تنظيم مدمج في السكان المدنيين ومن النسيج المجتمعي لغزة، والنصر الكامل الذي يتحدث عنه نتنياهو يعني تدمير القدرات العسكرية والحكم، وهو أمر غاية في الصعوبة أن يتحول لوضع مستدام بفرض الأمر الواقع دون احتلال طويل الأمد أو حكم بديل فعال وحتى لو نجحت عملية جيش الاحتلال، فيمكن لـ«حماس» إعادة البناء تدريجياً كما حدث سابقاً.
العائق والتحدي الأكبر الذي يواجهه الجيش الإسرائيلي هو الحسابات السياسية والدبلوماسية التي تُعد العقبة الرئيسية، وهي النقطة الأكثر تعقيداً وتصطدم بها أي توصية عسكرية، خاصة في ظل وجود ضغط دولي، وإن كان غير ملحوظ، لإنشاء قوة دولية للإشراف على الأمن وإعادة الإعمار المشروطة بننزع سلاح «حماس». ورغم أن الولايات المتحدة تدعم إسرائيل بشكل كامل، لكنها تفضل حلولاً سياسية تشمل تنفيذ الاتفاق ونشر قوات دولية وتتجنب حروباً مفتوحة طويلة، فضلاً عن وجود خلافات في الداخل الإسرائيلي بين الجيش الذي يرى أحياناً أن «النصر الكامل» غير واقعي تماماً وبين الحكومة متمثلة بنتنياهو وشركائه اليمينيين الذين يصرون عليه، ويظل تحدي استمرار القتال وما يحمله من تبعات تؤثر على الاقتصاد والجنود وربما رهائن جدد.
ومع الجمود الذي يحاصر الوضع المأزوم فإن الخطط الرئيسية البديلة للمستقبل السياسي في غزة تركز على مرحلة انتقالية بعد وقف إطلاق النار، ونزع سلاح «حماس» وإقامة حكم فلسطيني تكنوقراطي مؤقت تحت إشراف دولي، كما جاءت في خطة ترامب الشاملة، وهي الخطة الرئيسية لإنهاء الصراع في غزة، ومع ذلك لا زالت الخطة تعاني من عقبات في تطبيق بنودها العشرين حتى الآن رغم اقترابها من العام على التوقيع، إذ تواجه الخطة الأمريكية، رغم تقدمها، تحديات الواقع الحالي، خاصة ما تعلق بنشر القوة الدولية التي تواجه تأخيرات بسبب التوترات الإقليمية مثل الحرب على إيران وعدم حسمها حتى اللحظة، بالإضافة إلى مخططات إسرائيل بالاحتفاظ بسيطرة أمنية جزئية في غزة كما تفعل في لبنان، وترفض إسرائيل أن يكون للسلطة الفلسطينية دور مباشر قوي دون خضوعها لإصلاحات جذرية ورفض وجود أي مظاهر لـ«حماس» في الحكم.
توصية الجيش تعكس تحولاً في مزاج المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي باتت ترى أن استمرار التهدئة من دون آلية واضحة لنزع سلاح «حماس» يمنح الحركة وقتاً لإعادة التنظيم وترميم البنى القيادية، وتعزيز السيطرة الميدانية في المناطق التي لا توجد فيها قوات إسرائيلية.
وتستند هذه المخاوف إلى تقديرات سبق أن نُقلت عن الجيش، تفيد بأن «حماس» تعمل على تثبيت حضورها المدني والأمني والعسكري، وأن أي إدارة تكنوقراط في غزة قد تبقى شكلية إذا لم يسبقها أو يرافقها تفكيك فعلي لقدرات الحركة.
وفي المقابل فإن موقف حركة حماس الرسمي يرفض رفضاً قاطعاً أي خطة تطالب بنزع سلاحها بشكل كامل، أو تسليمه لجهات خارجية وتعتبر ذلك محاولة إسرائيلية لفرض ما عجزت عنه عسكرياً، لكنها تقبل حصر السلاح الثقيل أو الموجَّه ضد إسرائيل، في بعض الاقتراحات، مع الاحتفاظ بالأسلحة الخفيفة والقدرات الأمنية، كما تُبدي مرونة نسبياً في الجانب الإداري وتسليم الحكم المدني لتجنب استئناف الحرب، مع تمسكها بقدراتها العسكرية كضمانة لوجودها.
وتبذل مصر جهوداً كبيرة لإزالة العقبات وتضييق فجوة الخلافات، لتنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق وبحث آليات الانتقال إلى المرحلة الثانية، فمصر هي الوسيط الإقليمي الأكثر تأثيراً حالياً لنجاح المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية، لكن الوضع معقد ومحفوف بالتعقيدات اللوجيستية ويواجه تحديات كبيرة في ظل عدم استقرار الوضع في الشرق الأوسط.