أشرف غريب يكتب: المهنة مؤرخ فني

كتب: محرر

أشرف غريب يكتب: المهنة مؤرخ فني

أشرف غريب يكتب: المهنة مؤرخ فني

في زمن الإنترنت والباحثين عن دولارات يوتيوب وتيك توك وما شابه، أصبحت الحياة الفنية -تاريخاً وأحداثاً وأشخاصاً- أمراً مستباحاً للعامة، ومهنة استرزاق يراها من يسمون أنفسهم بصانعي المحتوى حقاً أصيلاً لهم ما داموا يملكون كاميرا، حتى لو كانت كاميرا موبايل محدودة القدرة، المهم أن يضعوا هذا المحتوى تحت عنوان جذاب يشد هواة لوحات المفاتيح حتى لو كان العنوان والمحتوى لا أساس لهما من الصحة، حتى أصبحت الشاشات المصرية والعربية تغص بعشرات من يسمون أنفسهم «مؤرخين فنيين» بحكم أنهم موجودون ومتاحون على مواقع الإنترنت المختلفة، أحد هؤلاء المؤرخين الفنيين -مثلاً- أصبح حقيقة وواقعاً ملموساً بفعل هذا الإفراط في الظهور على مواقع التواصل الاجتماعي، ومن ثم ملاحقته لمعدي ومقدمي البرامج كي تتم استضافته في البرامج الحوارية، والمعدون لا يجدون غضاضة في استضافته، وحجتهم أنه شخص معروف وله حضوره عبر الإنترنت، فإذا ما ظهر هذا المؤرخ الفني على الشاشة بدأ يطنطن بعبارات جوفاء من قبيل أن هذا الفنان أيقونة كبيرة، أو أن ذاك الوحيد في العالم الذي فعل كذا، أو أنه يكشف أسراراً للمرة الأولى لا يعرفها غيره، والنتيجة التي يفرضها هذا الإلحاح من جانب ذلك المؤرخ الفني وأمثاله تشويه مخجل لسير مشاهيرنا من أهل الفن، واختلاق تاريخ فني هو محض خيال صاحبه، فقط لأن أمثال هؤلاء يقولون عبارات رنانة وحكايات دراماتيكية ومأساوية تلقى صدى عند متعاطي يوتيوب وأقرانه، أو مدمني مواقع النميمة وفضاءات «اللت والعجن».

وقد سبق وناديت بأمرين مهمين درءاً لهذه الظاهرة المتفشية، أولهما أن يتم وضع ضوابط صارمة ومعايير محددة على الأقل لمن يظهرون على الشاشات ما دامت السيطرة على مواقع الإنترنت أقرب إلى المستحيل الرابع، وتحديد أسماء بعينها يحق لها الظهور على الشاشة والتحدث في الأمور الفنية، أسوة بتخصصات أخرى فعلت ذلك، وهي مهمة يمكن أن تقوم بها جمعيات النقاد المتخصصة أو شعبة المحررين الفنيين بنقابة الصحفيين.

الأمر الثاني الذي بح صوتي وأنا أنادي به، هو أن يكف الزملاء عن السرد التقليدي للحكايات الفنية، ويعتمدون منهج التوثيق حتى نستطيع تنقية تاريخنا الفني من كل الشوائب التي علقت به على مدى عشرات السنين، وهذا الأمر لا بد أن يبدأ بالكلمة المكتوبة، لأنها الأساس في أي حكي وحديث، إذ ليس هناك شك في أن ملايين الكلمات قد سودت صفحات مئات الكتب التي تناولت الحياة الفنية وأساطينها العظام، ولكنها في معظمها -وللأسف- غصت بالكثير من الميل والهوى، وإعمال الخيال، والمبالغات العمدية أو غير العمدية، واعتمدت على المعلومات المتواترة غير القائمة على سند أو برهان، لا لشيء إلا لأنها استندت إلى السرد التقليدي القائم على الحكي المرسل، فإذا بهذا كله من الممكن أن تنسفه وثيقة! نعم.

كل هذا الحكي لا يصمد أمام حجية الوثيقة وبرهانها، فالوثيقة لا تكذب، ولا تتجمل، ولا تفتئت على الحقيقة، هي لا تُلبس أحداً بطولة زائفة، ولا تنزع عن غيره مجداً يستحقه، هي ذلك الصوت الذي لم يستطع الزمان إسكاته، وتلك الصورة التي لم تشوهها الأيام، أو يعبث بها أصحاب الميل والهوى، هي الماضي الذي يلاحق أصحابه، والحاضر الذي لا فكاك منه، هي الشاهد على وقائع كل ما جرى، والكاشف عما أُريدَ إخفاؤه، والباعث للحقيقة من سباتها العميق، إذ كيف تجتمع الحيادية، والموضوعية، والمزامنة، والمصداقية، والإحاطة، في ورقة واحدة ولا تكون الحقيقة سادسها أو نتاجها؟ والورقة ليست بالضرورة أن تكون فقط مستنداً رسمياً، فقد تكون أيضاً خطاباً بخط اليد، أو قصاصة من صحيفة، أو مطبوعاً يسجل حدثاً هاماً في زمانه، أو صورة تاريخية لها قيمتها وحجيتها، أو ما هو مسموع أو مرئي متحرك كلقاءات وحوارات وشهادات أهل الاختصاص أصحاب الصلة بالموضوع المثار، ومن هنا تأتي أهمية الوثيقة في الحفاظ على تاريخنا الفني بعد أن أصابه التشوه والتضليل، ونهشه أصحاب الأهواء والمصالح، وأجهز عليه المدّعون، ودفنه جهابذة الإنترنت الباحثون عن «التريند» من أجل حفنة دولارات، تحت ركام من الجهل والسطحية والاستسهال، ولو لم ننقِ تاريخنا الفني من شوائبه ونواقصه الآن وفوراً، فقد يأتي يوم قريب جداً تصبح فيه مصر بلا ماضٍ أو تاريخ، وهو ما يسعى إليه -من حولنا- من لا تاريخ لهم.

أنا شخصياً ألزمت نفسي منذ سنوات في كل ما أكتب بهذا المنهج القائم على التوثيق، حتى أنأى بجهدي عن الشطط، ومن ثم أصبحت مهمة جمع الوثائق واقتنائها ممتعة على مشقتها، مفرحة على كلفتها، مثيرة للشغف رغم كل ما يكتنفها من حساسية. والعبرة هنا ليست في جمعها، أو في شغف هواية الاقتناء، فحتماً هناك -مثلي- من يملك أو يهوى أو حتى لديه بعض منها، لكن العبرة هنا في القدرة على تفكيكها وتحليلها، ثم تركيبها وإعادة قراءتها من جديد في ضوء سياقها الزمني والتاريخي، وعلاقة أطرافها بمحيطها العام، ومن ثم استخلاص الحقائق التي لا تقبل الجدل أو التشكيك.

وأعلم تماماً أن الأمر غاية في الصعوبة لا يقوى عليه كثير من زملاء المهنة، لكن لا بد من المحاولة، والتأكيد على صحة هذا التوجه، والمناداة بأن تقدم كل الجهات المعنية يد المساعدة للباحثين الجادين والمؤرخين الحقيقيين، وإلا بلغ الاستسهال وعدم الاكتراث بتاريخنا الفني أن يصبح عدد المؤرخين الفنيين إياهم أكبر من عدد متعاطي الإنترنت أو مشاهدي الفضائيات.


مواضيع متعلقة