كسروا الحلم والأمل.. ماذا حدث لأحمد مالك خلال 11 سنة في قلب تنظيم الإخوان؟
كسروا الحلم والأمل.. ماذا حدث لأحمد مالك خلال 11 سنة في قلب تنظيم الإخوان؟
ماذا سيُكتب في خانة السن؟.. لو كان الأمر بيده لكتب 18 عاما، هي عمره الفعلي قبل الضلال، لكنه الآن 35 عاماً، نصفها قبور الإخوان، وثلثها سجون، وقليلها حرية، تلك التي تنفّسها في 19 نوفمبر 2025، منذ أن غادر محبسه الضيّق في السجن، ومحبسه الأكبر في التنظيم الإرهابي.
في الـ24 من عمره، وجد «مالك» نفسه يواجه واقعاً قانونياً معقّداً لم يدرك أبعاده تماماً حينها، حاول التمسّك بإنكار كل شيء، أنكر انتماءه للجماعة، وأنكر ذهابه إلى ميدان رابعة، وأنكر مشاركته في أي أعمال عنف أو عمليات نوعية، إلا أن هذا الإنكار اصطدم بحقائق مادية لا تقبل الشك، فالهاتف المحمول كان يحمل صوراً له في قلب الميدان، ويضج باتصالات ورسائل تؤكد صلته بالتنظيم، لقد كان الموقف عصيباً، فشابٌ من أبناء التنظيم يعترف عليه، والتحريات تؤكد هويته، بينما كان الأمن آنذاك يعمل جاهداً لإنجاز أكبر عدد من القضايا، في ظل ضغط الأحداث المتلاحقة.
من «ورق مهرّب» إلى دراسة العلوم السياسية.. السجن غيّر طريقة تفكيره
وبموجب القوانين التي أقرّت آنذاك، أُحيل «مالك» للمحاكمة العسكرية، ليصدر ضده حكمٌ بالسجن لمدة 10 سنوات.. لم يواجه «مالك» قضبان السجن فحسب، بل كان يواجه انقطاعاً تاماً عن العالم الخارجي، حيث غابت المعلومة الحقيقية وحلّت محلها روايات قادة التنظيم المحتجزين معه، يتذكّر كيف كان يتلقي أخبار الدنيا من هؤلاء القادة، الذين كانوا يدّعون معرفة المستجدات عبر «ورق مهرّب» أو تسريبات غامضة.
في ذلك الحيز الضيق، كان ومن معه يعيشون تحت وطأة معلومة موجّهة ومصدر وحيد، مما عزّز لديهم القناعة بأن ما يمرون به هو مجرد أزمة سياسية وانتقام زيادة عن اللازم، بعيداً عن أي قراءة موضوعية للأحداث في الخارج.. لم يستسلم «مالك» لفراغ السجن، بل جعل من سنواته رحلة أكاديمية شاقة، فتقدم لدبلومة في الكيمياء الحيوية وامتحن فيها وهو خلف القضبان، لينال شهادتها بنجاح.
صدمة القيادات الهاربة.. حين اكتشف أن المحرّضين تركوا الجميع خلفهم
طموحه لم يتوقف، فسعي لنيل دبلومة في إدارة الأعمال، لقد جعل من محبسه مدرسة مفتوحة، فأخذ يدرس دورات في مقدمات العلوم السياسية، والاقتصاد الكلي، والتاريخ بفرعيه الحديث والمعاصر، وعكف على دراسة تاريخ الدول وتجارب الأمم، مستغرقاً في البحث في فروع العلوم السياسية، ليخرج من سنوات سجنه بعقل مختلف تماماً.
الهواتف المهرّبة هي وسيلة التواصل الوحيدة مع العالم داخل السجن، إذ اندفع «مالك» للبحث عن أولئك الذين ألقوا به وبجيله في الأزمة، القيادات الذين رسموا لهم طريق الصمود من فوق المنابر، كانت الصدمة مروّعة حين اطلع على أوضاعهم في الخارج، حيث وجد صراعاتهم المريرة، وانشقاقاتهم المخزية، وسلوكهم الذي لا يمت بصلة لما كانوا يبشرون به، أكثر ما يثير الاستفزاز لديه هو التناقض الأخلاقي الصارخ، فأولئك الذين فروا بجلودهم، واستقروا في تركيا وغيرها، لم يكتفوا بالنجاة وترك ضحاياهم خلفهم، بل استمروا في ممارسة التحريض عن بُعد.
سؤال واحد في التحقيق كشف له تناقض الجماعة: كيف أطالب بالديمقراطية وأنا لا أختار مرشدي؟
يتذكر «مالك» تلك اللحظة المفصلية أثناء التحقيق معه، حين واجهه المحقّق بسؤال بسيط، ولكنه عميق في دلالته، كان «مالك» يتحدث عن مطالب الجماعة في الحرية والديمقراطية، فباغته المحقّق بسؤال: متي شاركت أنت في اختيار المرشد؟ صمت دون إجابة، فهو لم يشارك يوماً في اختيار رأس الجماعة، ولا أعضاء مكتب الإرشاد، ولا حتي أعضاء مجلس الشوري العام، بل إن الصدمة كانت في أنه لا يعرف حتي الهيكل الإداري والتقسيمات التنظيمية للجماعة في المحافظات، إلا من خلال كلمات الضابط أثناء التحقيق.
«السجن كان مدرسة للنجاة».. سنوات الغياب صنعت عقلاً مختلفاً
ومن وقتها وهو يسأل نفسه «كيف دفعته الجماعة للنزول إلى الشارع ليطالب بحق الاختيار في الدولة، بينما هو محروم من هذا الحق تماماً داخل الجماعة ذاتها؟».. سنوات سجنه الطويلة، يعتبرها «مالك» مدرسة إجبارية للنجاة بنفسه، تعلم فيها دروساً، وأن يعيش جزءاً من حياته، وهو مستوعب للحقيقة، خير من أن يعيش عمره كله حر الجسد مغيب العقل.

