سألوا أحمد مالك في التحقيقات: هل اخترت المرشد أو أيا من قيادات الجماعة؟.. وحين فكر في الإجابة قرر ترك التنظيم الإرهابي والنجاة بنفسه
سألوا أحمد مالك في التحقيقات: هل اخترت المرشد أو أيا من قيادات الجماعة؟.. وحين فكر في الإجابة قرر ترك التنظيم الإرهابي والنجاة بنفسه
تزامنا مع الاحتفال بذكرى 30 يونيو.. «مالك» يستعد لفضح التنظيم وملاحقة أذرعه الإلكترونية بحلقات «كشف السر».. لماذا تركهم وكيف كشفهم؟
ماذا سيُكتب في خانة السن؟.. لو كان الأمر بيده لكتب 18 عاماً، هي عمره الفعلى قبل الضلال، لكنه الآن 35 عاماً، نصفها قبور الإخوان، وثلثها سجون، وقليلها حرية، تلك التي تنفّسها في 19 نوفمبر 2025، منذ أن غادر محبسه الضيّق في السجن، ومحبسه الأكبر في التنظيم الإرهابي.
من مؤيد لمنتسب لمنتظم لعضو ثم قيادي.. مسميات ومراحل تسلل الإخوان إلى طلبة الجامعات
بين أروقة الجامعة وقبل خطوة من التخرّج، وجد أحمد بركات نفسه في مواجهة لحظة فارقة في تاريخ مصر، ثورة 25 يناير، حينها اتخذت جماعته التي انتمى إلىها موقفاً متحفّظاً، وأصدرت تعلىماتها للأعضاء بعدم المشاركة، بدعوى أن ما يحدث هو حراك مجهول لا يخصهم في شيء، وخلافاً للمتعارف من سلوكيات السمع والطاعة، وبتأثير من صفحة «كلنا خالد سعيد»، خالف قرار التنظيم وانخرط في مظاهرة انطلقت من فيكتوريا إلى سيدي جابر، شباب من أطياف مختلفة يسيرون في ركاب واحد، ساعات تجر ساعات وجاءت تكليفات الجماعة للأفراد بالمشاركة والتلاحم والحشد في الميادين، فكانت كلمة السر لما تملكه من أرضية في الشارع وقدرة هائلة على الحشد والاستقطاب.. لم يغب المشهد عن عينيه، ومن وقتها وهو يفكر لماذا أنا إخوان؟.. سؤال كلما عاد بذاكرته إلى الوراء لا يجد إجابة له، ربما لأن الانتماء للتنظيم لا يتم بقرار انضمام أو بملء استمارة وانتقال، هو تسلل حذر ومشروط لا يختاره المرء، لكن يجد نفسه مسلوب الإرادة فيه.
من كفر الشيخ إلى الإسكندرية، دارت رحلته، خريج كلية العلوم جامعة الإسكندرية الذي ودّع وظيفة مرموقة قبل سنوات السجن، ليعود أدراجه يبحث من جديد عمن يستوعبه، وفي سيرته الذاتية تجارب مريرة، تارة مع التنظيم وتارة في السجن، وأخري مع فكر تشوه قبل أن يستعيد صوابه.. كانت التيارات الإسلامية الثلاثة تسيطر على مساجد مصر، بحصة متساوية كما الكوتة، الإخوان والجماعة الإسلامية والسلفيون، وجدهم أحمد بركات في كفر الشيخ حيث نشأ وفي الإسكندرية حيث درس وأقام. ساعدت على انتشارهم تلك الأنشطة التي يمارسونها في المجتمع، تبدأ اجتماعية ثم توعوية قبل أن ينغرس فيها العضو ويجدها «دينية» صرف.
بين عامي 2009 و2010، كانت الجامعة، بصفة عامة، تعج بوجود مكثّف لتلك التيارات، وفي المدينة الجامعية كان حضورهم طاغياً في كل ركن، يتجولون بين الغرف، ويتمركزون في مسجد المدينة بشكل دائم، حتي قبل موعد كل محاضرة، كان لزاماً على الطلاب الاستماع إلى كلمة يلقيها أحد طلاب الإخوان أو آخر من الدعوة السلفية، في إشارة واضحة إلى مدي السيطرة والمساحة التي كانت ممنوحة لهم في المجتمع آنذاك.. من بوابة الأسر الطلابية تسلل الإخوان إليه، ومن بوابة مساعدة الآخرين أحب تيارهم وانغرس فيه، دون دراية بمسمي أو توجّه، ودون رفض من المجتمع.
تدرّج معهم من مؤيد إلى منتسب قبل أن يترقي لمنتظم ثم عضو عامل، ولكل تسمية مرحلة ولكل مرحلة أدبيات وشروط انضمام، لا تُتلى على الأعضاء لكن يعلمونها في ما بعد.. في البداية تنحصر الأمور في الأنشطة الأولية داخل الجامعة، ولكن بمجرد أن يُبدي الفرد استعداده، ينتقل النشاط إلى خارج الأسوار عبر اللقاءات التنظيمية الخاصة بالجماعة، في هذه المرحلة، لا يدرك المرء أن هذه اللقاءات ذات صبغة تنظيمية أو تتبع الجماعة، بل يظنها أمراً اعتيادياً حتي تتكشّف له الحقائق لاحقاً، ليبدأ الانخراط في ما يُسمي باللقاءات العامة، حسب «بركات»، الشهير بـ«أحمد مالك».

من الأسر الطلابية إلى «حديث الثلاثاء».. كيف كانت الجماعة تبنى كوادرها داخل الجامعات؟
اللقاء العام هو تجمع يُعقد في مساجد ضخمة وتُوجّه فيه الدعوة إلى أكبر عدد ممكن من الناس، كما كانت الجماعة تنظم فعإلىة دورية على مستوى الجمهورية باسم «حديث الثلاثاء»، وهي لقاءات يحضرها جميع أفراد الجماعة في المساجد التي يسيطرون علىها، فالمساحات المتاحة للجماعة قبل 2011 كانت شاسعة، بخلاف ما كان يُروّج له، فلم يكن هناك تضييق أمني حقيقي بالمعني الذي يصورونه.
وحسب «بركات»، حتي في حال وقوع مظاهرة والقبض على بعض الأفراد، كان يتم إطلاق سراحهم بعد يومين أو ثلاثة دون احتجاز طويل.. وامتد النفوذ ليشمل النقابات المهنية كافة، وعلى رأسها الأطباء، ففي مقارها بالمحافظات ودار الحكمة بالقاهرة، كان للأعضاء من الإخوان حرية حركة وسيطرة تامة تفاقمت في الفترة من 2005 - 2013.
يصف الإجراءات الأمنية التي كانت تُتخذ وقتها بأنها في مجملها شكلية أكثر منها حقيقية، والمواجهات الأمنية لم تكن تتسم بالجدية، فجهاز الأمن حينذاك كان ينتهج سياسة ضرب التيارات ببعضها البعض، فإذا استشعر تزايد نفوذ الإخوان تحرّك بشكل ما، لكنها كانت مناورات لا تهدف إلى استئصال حقيقي بقدر ما تهدف إلى توازنات معينة.. لم تنتهِ يناير النهاية السعيدة التي توقعها «بركات» ورفاقه من الإخوان، رسّخت لمفهوم مغلوط لدى المجتمع بكامله، فلا يوجد أحد أفضل من أحد، مما دفع الجميع للمطالبة بامتيازات إضافية دون وجه حق.
بعد يناير.. الخطاب العاطفى رسخ وهم «التمكين» لدى شباب التنظيم
لم يوجّه «بركات» لومه للجماعة، كان يدرك الأزمة لكنه لا يعي أن السبب فيها هم الإخوان الذين ينتمي إلىهم، كان وجيله من أعضاء التنظيم واقعين أسري للخطاب الديني العاطفي الذي تلا تنحي مبارك، والذي يرتكز على الآية الكريمة «وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ على الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ»، إذ اعتبروا ما حدث مكافأة ربانية لأهل الدين والصلاح.
نجا من اعتصام رابعة فاسترد وعيه.. كيف خرج أحمد مالك من دائرة الشر واكتشف حقيقة التنظيم؟
لم يكن انضمام «بركات» لهذا التنظيم الإرهابي سهلاً، وهو المنتمي إلى أسرة تضم رجالاً في سلك القضاء والجيش والشرطة، لكن الأسرة لا تعلم عن تحركات الابن شيئاً، بدأت عائلته تلاحظ التغيير الجذري في أفكاره، ومع محاولاتهم منعه من الخروج، كان يتعلل بالبحث عن فرصة عمل، بينما كانت وجهته الحقيقية هي «اعتصام رابعة»، وبسبب عدم انخراطه في الجماعة داخل كفر الشيخ، لم يكن إخوان بلدته يعرفون هويته التنظيمية، إذ كانت كل تحركاته للقاهرة مع حشود من طلاب جامعة الإسكندرية عبر أوتوبيسات وفّرتها الجماعة.. وحين حانت لحظة الفض، يتذكّر «بركات» الخديعة التي تعرّض لها ورفاقه من قِبل التنظيم لإجباره على عدم مغادرة الاعتصام، إذ حذرهم قيادات الجماعة من أن مغادرة الاعتصام تعني الاعتقال المباشر أو الموت المحقّق، مشككين في «الممر الآمن» الذي أعلن عنه الأمن.
فوجئ «بركات» بالأمن داخل الاعتصام، فأطلق لساقيه الرياح، وفي ذهنه أن القناصة من الأمن سينالون منه، لكن المفاجأة أنه غادر الاعتصام دون أن يصوب أحد رصاصة واحدة علىه.. وكان هذا المشهد أول طعنة نافذة لقناعاته التي رسّخها «التنظيم».. يرسم «بركات» صورة للمشهد داخل الميدان، حيث كانت الروح المعنوية تُغذي بفكرة محورية مفادها أن المشروع الإسلامي يتم هدمه، وأن ما يحدث ليس صراعاً سياسياً، بل هو حرب على الدين، هذا التصور خلّف حالة تخدير عامة غيّبت الوعي بالواقع، وجعلت المعتصمين على أتم الاستعداد للتضحية بأي شيء في سبيل البقاء ومنع فض الميدان، لدرجة أنهم أقنعوا المعتصمين بأن الرسائل التي تلقيها طائرات الهليكوبتر على الميدان وتحمل رسائل طمأنة «يا جماعة نحن كلنا مصريون، وكلنا أبناء وطن واحد»، ليست من المؤسسة العسكرية، بل «مجموعة من قيادات الجيش التي ترفض فض الاعتصام»، وأنهم منحازون للمعتصمين.. حسب «بركات».
رصاصة «عبدالرحمن حمدو» كانت بداية انهيار القناعات
في قلب ذلك الزحام، وبينما كانت الطلقات تنهمر، عاش «بركات» لحظات رعب لا ينساها.. كان يقف بجواره شاب بلدياته يُدعي «عبدالرحمن حمدو»، طالب في الصف الثالث الثانوي، لم يكن قد مضي على وصوله إلى الميدان سوي ليلة واحدة سبقت الفض، وفجأة، ودون سابق إنذار، اخترقت رصاصة جسد الشاب الصغير ليسقط بجوار «بركات» غارقاً في دمائه، حُمل «عبدالرحمن» بعيداً، ليعلم «أحمد» لاحقاً أنه فارق الحياة، حيث عادوا به إلى بلدتهم ليُدفن هناك.
يصف «أحمد» تلك اللحظة بصدمة العجز، فالاشتباكات عند المداخل كانت تعني أن الرصاص المنطلق من بنادق إلىة يصل مداه إلى 3 كيلومترات، مما يجعل السيطرة على الأمور أو النجاة من طلقة طائشة أمراً مستحيلاً تماماً.. عاد «بركات» إلى بلدته وأسرته بمعجزة حقيقية، وهناك قرّر الانقطاع عن العالم الخارجي لفترة طويلة، حيث لزم بيته، ممتنعاً عن الخروج، مستوعباً فصول رحلة بدأت بحلم التغيير وانتهت بصمت العزلة ومرارة الفقد.
ورغم محاولات الجماعة المتكرّرة للتواصل معه وحثه على الحشد والنزول مجدّداً، لكنه اتخذ موقفاً حازماً بالرفض، مستنكراً الاستمرار في الدفع بالناس نحو الاشتباكات.. ورغم البُعد، فإنهم عاودوا التواصل ومحاولات القرب عام 2015، لا يدري «بركات» سبباً لمجاراته لهم وقتها، سوي الفضول الذي قاده لمحاولة فهم طريقة تفكيرهم، وما يدور في الكوإلىس، ليورطه أحدهم ويدس اسمه في قوائم المسئولين عن مخزن سلاح تابع للإخوان، ويتم القبض علىه في مارس من العام نفسه.
10 سنوات عسكرية.. والسجن تحول إلى جامعة مفتوحة
في الـ24 من عمره، وجد «بركات» نفسه يواجه واقعاً قانونياً معقّداً لم يدرك أبعاده تماماً حينها، حاول التمسّك بإنكار كل شيء، أنكر انتماءه للجماعة، وأنكر ذهابه إلى ميدان رابعة، وأنكر مشاركته في أي أعمال عنف أو عمليات نوعية، إلا أن هذا الإنكار اصطدم بحقائق مادية لا تقبل الشك، فالهاتف المحمول كان يحمل صوراً له في قلب الميدان، ويضج باتصالات ورسائل تؤكد صلته بالتنظيم، لقد كان الموقف عصيباً، فشابٌ من أبناء التنظيم يعترف علىه، والتحريات تؤكد هويته، بينما كان الأمن آنذاك يعمل جاهداً لإنجاز أكبر عدد من القضايا، في ظل ضغط الأحداث المتلاحقة.
وبموجب القوانين التي أقرّت آنذاك، أُحيل «بركات» للمحاكمة العسكرية، ليصدر ضده حكمٌ بالسجن لمدة 10 سنوات.. لم يواجه «بركات» قضبان السجن فحسب، بل كان يواجه انقطاعاً تاماً عن العالم الخارجي، حيث غابت المعلومة الحقيقية وحلّت محلها روايات قادة التنظيم المحتجزين معه، يتذكّر كيف كان يتلقي أخبار الدنيا من هؤلاء القادة، الذين كانوا يدّعون معرفة المستجدات عبر «ورق مهرّب» أو تسريبات غامضة.
في ذلك الحيز الضيق، كان ومن معه يعيشون تحت وطأة معلومة موجّهة ومصدر وحيد، مما عزّز لديهم القناعة بأن ما يمرون به هو مجرد أزمة سياسية وانتقام زيادة عن اللازم، بعيداً عن أي قراءة موضوعية للأحداث في الخارج.. لم يستسلم «بركات» لفراغ السجن، بل جعل من سنواته رحلة أكاديمية شاقة، فتقدم لدبلومة في الكيمياء الحيوية وامتحن فيها وهو خلف القضبان، لينال شهادتها بنجاح.
طموحه لم يتوقف، فسعي لنيل دبلومة في إدارة الأعمال، لقد جعل من محبسه مدرسة مفتوحة، فأخذ يدرس دورات في مقدمات العلوم السياسية، والاقتصاد الكلي، والتاريخ بفرعيه الحديث والمعاصر، وعكف على دراسة تاريخ الدول وتجارب الأمم، مستغرقاً في البحث في فروع العلوم السياسية، ليخرج من سنوات سجنه بعقل مختلف تماماً.
خرج من السجن ليصطدم بوضع القيادات «ليسوا هاربين فحسب.. بل يواصلون التحريض على العنف ونحن من ندفع الثمن»
الهواتف المهرّبة هي وسيلة التواصل الوحيدة مع العالم داخل السجن، إذ اندفع «بركات» للبحث عن أولئك الذين ألقوا به وبجيله في الأزمة، القيادات الذين رسموا لهم طريق الصمود من فوق المنابر، كانت الصدمة مروّعة حين اطلع على أوضاعهم في الخارج، حيث وجد صراعاتهم المريرة، وانشقاقاتهم المخزية، وسلوكهم الذي لا يمت بصلة لما كانوا يبشرون به، أكثر ما يثير الاستفزاز لديه هو التناقض الأخلاقي الصارخ، فأولئك الذين فروا بجلودهم، واستقروا في تركيا وغيرها، لم يكتفوا بالنجاة وترك ضحاياهم خلفهم، بل استمروا في ممارسة التحريض عن بُعد.

سأله الضابط في التحقيقات: هل اخترت المرشد أو أياً من قيادات الجماعة؟.. وحين فكر في الإجابة قرّر ترك التنظيم
يتذكر «بركات» تلك اللحظة المفصلية أثناء التحقيق معه، حين واجهه المحقّق بسؤال بسيط، ولكنه عميق في دلالته، كان «بركات» يتحدث عن مطالب الجماعة في الحرية والديمقراطية، فباغته المحقّق بسؤال: متي شاركت أنت في اختيار المرشد؟ صمت دون إجابة، فهو لم يشارك يوماً في اختيار رأس الجماعة، ولا أعضاء مكتب الإرشاد، ولا حتي أعضاء مجلس الشوري العام، بل إن الصدمة كانت في أنه لا يعرف حتي الهيكل الإداري والتقسيمات التنظيمية للجماعة في المحافظات، إلا من خلال كلمات الضابط أثناء التحقيق.. ومن وقتها وهو يسأل نفسه «كيف دفعته الجماعة للنزول إلى الشارع ليطالب بحق الاختيار في الدولة، بينما هو محروم من هذا الحق تماماً داخل الجماعة ذاتها؟».. سنوات سجنه الطويلة، يعتبرها «بركات» مدرسة إجبارية للنجاة بنفسه، تعلم فيها دروساً، وأن يعيش جزءاً من حياته، وهو مستوعب للحقيقة، خير من أن يعيش عمره كله حر الجسد مغيب العقل.
«السمع والطاعة».. السؤال الذى لم يجد له التنظيم إجابة
لا يتوقف نقد «بركات» عند العناوين الكبري، بل يغوص في التفاصيل التي تُحكم قبضة التنظيم على أفراده، منتقداً مفهوم السمع والطاعة العمياء.. يتساءل بإنكار: «السمع والطاعة لمن؟ وفكرة البيعة التي يفرضونها، على أي أساس قامت؟ ولمن تُعطي؟ هل تُعطي لمرشد جماعة أو زعيم قبيلة؟ إنهم يطبّقون بيعة السمع والطاعة، في حين أن الخلفاء الراشدين بعد النبي، مثل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، كانوا يقولون إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، لم يفرضوا السمع والطاعة المطلقة.. لذا، فإن هذه البيعة في حقيقتها محرّفة».
لم تعد للتنظيم الهيبة نفسها التي كان علىها، حسب «بركات»، فلم يبقَ منه سوي الهيكل الممول، سابقاً كان لهم احترام عند قطاعات كبيرة من المجتمع، لكن هذا الاحترام لم يعد له وجود الآن، الكيان نفسه انتهي إلى مجرد ضجيج إعلامي تحرّكه مصادر التمويل وتديره الجبهات المتصارعة، أما الفكرة فقد سقطت في وعي أتباعها قبل خصومها، لكن تظل أزمة الثقة تؤرّق كل الخارجين من قبور الإخوان.
يؤكد «بركات» أن الأمن لن يثق بسهولة في أي شخص يتبرّأ من الإخوان داخل السجن، والسبب من وجهة نظره أن هناك كثيرين قالوا الكلام ذاته، وبمجرد خروجهم تورّطوا في أعمال عنف، أو هربوا للخارج وقلبوا الحقائق. هؤلاء يظهرون الآن على القنوات يدّعون أنهم تعرّضوا للتعذيب وأنهم كانوا جميعاً برآء، وهذا كلام غير حقيقي، هذا السلوك جعل أي اعتراف بالتغيير داخل السجن يُنظر إلىه كمحاولة للخروج فقط.
8 أشهر من الحرية.. لكنه عاد ليجد وطناً تغيرت ملامحه
استرد «بركات» حريته منذ 8 أشهر، يتذكر لحظة وصوله إلى منطقته، حيث لم يخبر أهله بموعد خروجه وأراد مفاجأتهم، لكنه وجد نفسه غريباً عنهم في وطنه الصغير، لقد تغيّرت المعالم وتبدّلت الشوارع، لدرجة أنه ضل الطريق وعجز عن الوصول إلى منزله، وكأن الدنيا قد وُلدت من جديد في غيابه.. ومع فرحة الخروج، تظل غصة الرفيق حاضرة، فصديقه الذي شاركه المحنة لا يزال خلف الأسوار يقضي حكماً بالسجن لمدة 15 عاماً، قضي منها 13، وينتظر عامين آخرين لينال حريته.
«مالك» يستدل على استمرار العمل السري للإخوان في مصر: يلاحقون كل كلمة تُكتب عن 30 يونيو وشهاداتي عنهم ويحاصرونني باللجان الإلكترونية ووصلوا إلى أهلي بالتهديدات
يُرتب «بركات» أولوياته بوضوح، الزواج والاستقرار، ثم تدوين تجربته المريرة ووضعها بين يدي المختصين لتكون شهادة للتاريخ. ورغم محاولاته لنشر مقالاته عبر حساباته الإلكترونية، لكنه واجه لجان التنظيم التي تلاحقه ببلاغات مكثّفة لإغلاق حساباته وإسكات صوته بمجرد ظهور اسمه، ومع ذلك، يظل مصمّماً على المضي قُدماً في طريق الوعي، معتبراً أن تحويل مسار حياته بهذه الطريقة كان خيراً من عند الله، ليعوضه عما فاته بمستقبل يُبني على الفهم والحرية الحقيقية، لقد حاولوا في البداية الالتفاف علىه عبر أهإلى المحبوسين، محاولين إقناعهم بأن «بركات» هو السبب في نيل أبنائهم أحكاماً قاسية، زاعمين أن المحكمة تعتبر كلماته دليلاً ضدهم، في محاولة صريحة لتإلىب الناس ضده.
وامتدت محاولات الترهيب لتطال دائرة «بركات» الخاصة، إذ حاول هؤلاء الوصول إلى عائلته للضغط علىه، موهمين إياهم بأنه سيُقبض علىه مجدداً بسبب حديثه في السياسة، في مسعي لإثارة الخوف لدى أهله وجعلهم وسيلة ضغط لإجباره على الصمت.. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل لجأوا إلى التهديد المباشر، مدّعين أن هناك «أشياءً لا يعرفها الأمن عنه بعد»، وأنهم قد يكشفونها، في محاولة يائسة لابتزازه.
لكن «بركات» اعتبر هذه التهديدات وهذا الظهور المباشر للإخوان وأذرع التنظيم دلالة على وجودهم الخفي واستمرار عملهم من مصر، وهو ما يستوجب منه التحرك وعدم الصمت وفضح ممارساتهم.. وحسب كلامه فإن أكثر ما يؤرقهم هو خروج أحد المنتمين لهم من السجن، لا ليُردد خطاب المظلومية التقليدي، بل ليُعلن حقيقتهم الصادمة، فهم مستعدون لفعل أي شيء حتي لا يُقال إن من خرج من غياهب السجون لم يخرج مهاجماً النظام، بل خرج مهاجماً لتنظيم تاجر بآلامه وسنوات شبابه، ليظل «بركات»، رغم كل محاولات الإسكات، شاهداً حياً على زيف الشعارات وتجارة الدماء.

من التهديد إلى «كشف السر».. لماذا قرر مواجهة التنظيم علناً؟
يستعد «بركات» إلىوم ليكون صوته جزءاً من سلسلة حلقات العودة التي توثّق تجارب أولئك الذين سلكوا طريق التنظيم ثم أدركوا زيفه، حيث من المقرر نشر هذه الشهادات تباعاً قبل ذكري 30 يونيو، وهو لا يكتفي بالتدوين المكتوب عبر منصات التواصل الاجتماعي «فيس بوك وإكس»، بل يُبدي استعداداً تاماً لتطوير هذه الشهادة إلى محتوي مرئي إذا ما تطلب الأمر، إيماناً منه بضرورة وصول تجربته إلى أكبر قطاع من الشباب..