الدجَّال.. وآخر الزمان

لعلك قرأت أو سمعت شيئاً عن «الدجال»، ذلك الكائن الذى تشير الكتابات التى تتناول أحداث «آخر الزمان» إلى أنه سوف يخرج إلى الحياة ليعيث فى الأرض فساداً حتى يقتله المسيح -عليه السلام- ويخلص الناس من شروره. ويعتبر البعض ظهور «الدجال» علامة من علامات الساعة.

وظنى -والله أعلم- أن «شخصية الدجال» التى رسمتها بعض الأحاديث النبوية تحمل رمزية معينة تتجاوز فكرة «الشخص المشوه» الذى يسيطر على مقدرات البشر، ويأخذ صورة المانح المانع الذى يملك جبالاً من الخبز وأنهار الماء والنار، وغيرها من أدوات الفتنة التى يستطيع أن يضغط بها على مَن حوله، فيعطى مَن يطيعه ويحرم من ينكره أو يعاديه.

«الدجّال» صورة رمزية لأى جهة أو شخص يكذب بشكل احترافى على الأفراد، ويوهم من حوله بأنه يملك سلطة المنح والمنع، فيطمع الطامعون فى خيره الوهمى، ويخاف غيرهم من شره الوهمى أيضاً.

«الدجّال» جهة أو شخص اعتاد الكذب وبيع الوهم للآخرين، ويميل الناس بطبيعتهم إلى الخوف من الدجل والدجالين، وعادة ما يرسمون لهم فى خيالهم صوراً عجائبية فريدة، ورغم خوفهم منهم فإنهم يميلون إلى الاستماع إلى قصصهم، مثلما يميل المعاصرون إلى أفلام الرعب.

انظر إلى ما ينقله «ابن كثير» فى «البداية والنهاية» عن ثلاث من زوجات النبى -صلى الله عليه وسلم- دار بينهن ذلك الحديث عن «الدجال»: «عن خليسة مولاة حفصة، فى قصة حفصة وعائشة مع سودة بنت زمعة، ومزحهما معها بأن الدجال قد خرج، فاختبأت فى بيت كانوا يوقدون فيه واستضحكتا، وجاء رسول الله فقال: ما شأنكما؟ فأخبرتاه بما كان من أمر سودة، فذهب إليها، فقالت: يا رسول الله.. أخرج الدجال؟ فقال: لا، وكأن قد خرج، فخرجت وجعلت تنفض عنها بيض العنكبوت».

لقد أرادت السيدتان حفصة وعائشة مداعبة «سودة» فقالتا لها إن الدجال قد خرج، فجرت تختبئ منه فى «فرن» بالبيت، وضحكت عليها حفصة وعائشة، ثم جاء رسول الله فسأل عن الأمر، فحكتا له ما حدث، فذهب إلى «سودة» فسألته: هل خرج الدجال؟ فقال لها: لم يخرج، لكن خوفها ورعبها واختباءها يمنح من يراها إحساساً بأن الدجال خرج فعلاً (وكأن قد خرج).

نحن أمام مشهد تم استحضار «شخصية الدجال» فيه من أجل إرعاب أو تخويف السيدة «سودة»، فقد استقر فى خلفية تفكير السيدة الجليلة الصورة المشوهة المخيفة للدجال، وما يتسم به من مكر ودهاء، وما يمتلكه من أدوات قهر وفتنة لعباد الله، وكانت السيدتان الجليلتان «عائشة وحفصة» تتشاركان مع السيدة «سودة» فى هذا التصور عن «الدجال»، وتعلمان خوفها منه فأرادتا مداعبتها والمزاح معها بأن أخبرتاها أن الدجال قد خرج، فارتعبت «سودة» وذهبت لتختبئ منه.

نحن إذن أمام صورة نسجها الخيال وغذتها التصورات الذاتية عن ذلك الكائن العجائبى المتمثل فى «الدجال»، والدجالون يمتازون -كما تعلم- بمهارة خاصة فى زرع الخيالات الزائفة حول ما يمتازون به من قدرات فى عقل ووجدان المحيطين بهم.