كرة القدم والسياسة (9)
شكَّل الصليب الأحمر في باراجواي فريقاً لكرة القدم جاب الأرجنتين وأورجواي ليجمع أموالاً لعلاج مصابي الحرب التي اندلعت عام 1934 بين باراجواي وبوليفيا على منطقة حدودية مقفرة. وأرسلت حكومة الجمهورية الباسكية فريقها ليجوب فرنسا فيجمع أموالاً لمساعدة المنكوبين من الحرب التي شنها فرانكو على الجمهورية. وفعل فريق برشلونة الأمر نفسه فأبحر إلى أمريكا وسقط رئيسه صريعاً عام 1937 برصاص رجال الديكتاتور، الذي لم يكن أقل اهتماماً بتوظيف كرة القدم في تحسين صورة نظام حكمه من خلال فريق ريال مدريد، حيث راح يربح البطولة تلو الأخرى، ويبهر العالم بطريقة لعبه، حتى إن أحد قادة نظام فرانكو وقف ذات يوم أمام الفريق وقال: «أناس كانوا يكرهوننا في السابق صاروا الآن يفهموننا بسببكم». وكانت كرة القدم واحداً من أوسع الأبواب التي عادت بها ألمانيا إلى العالم بعد قطيعة أعقبت هزيمة النازي في الحرب العالمية الثانية، خلال مشاركتها في مونديال 1954.
وحين فازت البرازيل بمونديال 1970 أهدى ديكتاتورها الجنرال مديتشي اللاعبين نقوداً، ووقف أمام المصورين حاملاً الكأس بيديه، بل ضرب الكرة برأسه، ثم مضى في خطوة عسكرية إلى الأمام تصحبه أغنية: «إلى الأمام أيتها البرازيل» التي وضعت خصيصاً للمنتخب، ليتحول إلى الموسيقى الرسمية للحكومة، فيما كان التليفزيون يعرض صورة «بيليه» وهو يطير فوق العشب، وتحته عبارة: «لم يعد بإمكان أحد وقف البرازيل». وفي الأرجنتين استخدم الجنرال فيديلا صورة كيمبس المندفع كإعصار للهدف نفسه، بعد أن أنفق مئات الملايين من الدولارات حتى تكون المناسبة أسطورية، لعلها تحسن صورته. وحين فازت بلاده بمونديال 1978، وكان على بعد كيلومترات قليلة من الملعب الذي شهد المباراة النهائية مركزاً للتعذيب والإبادة في إحدى المدارس العسكرية، وكانت الطائرات تلقي بالمعتقلين المعارضين أحياء في البحر، ويتم اغتيال آلاف مؤلفة من الأرجنتينيين دون ترك أي أثر للجرائم، لكن كل هذا تمت التعمية عليه مؤقتاً في ضجيج انتصارات الفريق، وتصفيق المعلقين الذين كانوا مجبرين على هذا، وسيل تصريحات مجاملة لحسن الضيافة من كبار رجال الفيفا ومن سياسيين مدعوين، من بينهم وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر. وعين الديكتاتور تشيلي بونشيه نفسه رئيساً لنادي كولو كولو ذي الشعبية الكبيرة. وفعل الجنرال جارسيا ميزا في بوليفيا الأمر نفسه، حيث صار رئيساً لنادي ويليسترمان.
وفي أوج حرب الاستقلال الجزائرية، وتحديداً عام 1958، شكلت الجزائر منتخباً ارتدى فانلة بلون العلم الوطني، لكن الحصار لم يمكنه من اللعب سوى مع المغرب، التي عاقبها «الفيفا» بالحرمان من اللعب عدة سنوات، فاضطر الفريق الجزائري إلى اللعب مع بعض فرق الجمعيات الخيرية في العالم العربي وأوروبا الشرقية، وكان من بين أعضاء الفريق لاعبون محترفون في فرق فرنسية عاقبتهم بقسوة، ولم ترفع العقوبة إلا بعد استقلال الجزائر عام 1962.
ولم تقتصر استعارة كرة القدم في السياسة على الواقع، بل ذهبت إلى توظيفها في تخيل المستقبل السياسي، أو التنبؤ به، ففي عام 2015 صدرت رواية في القاهرة لكاتب سياسي مصري هو أحمد الصاوي بعنوان «إصابة ملاعب»، توسل فيها بلعبة كرة القدم ليطلق الخيال حول حدث سياسي كبير قد يقع حين تجد مصر نفسها في يوم من الأيام في مواجهة إسرائيل من أجل العبور إلى المونديال، ليتخذ من هذا الحدث فرصة لسرد التأثير النفسي والاجتماعي والسياسي على اللاعبين والمدربين والجمهور المتحمس للعبة، بما يبين موقف كل هؤلاء من التطبيع مع إسرائيل عبر كرة القدم.
5- دخلت كرة القدم في حيز التصورات والأفكار والأوهام التي تطرحها بعض الأيديولوجيات. فعلى سبيل المثال يرى الفيلسوف البريطاني سايمون كريتشلي أن الاشتراكية هي الاتجاه السياسي الذي يليق بالكرة، نظراً لأنها تربط الحرية الفردية بمصلحة المجموع، وهي مسألة تمضي عليها اللعبة فوق البساط الأخضر، إذ إن اللاعب يتصرف ويبدع بحرية لكن ضمن الفريق، ويعتمد النجم الكبير على بقية رفاقه، ومن دونهم ليس بوسعه أن يكون فعالاً. وقد كان بيل شانكلي، المدير الفني لفريق ليفربول، خلال ستينات القرن العشرين، يتبنى فكرة الاشتراكية الإنسانية بمفهومها الأشمل في طريقة إدارته للفريق، وعلاقته أيضاً بالجمهور، وكان يتصرف ليس كسياسي بالطبع، ولكن وفق منظومة قيم أو أسلوب حياة يقوم على الإيمان بأن الفوز أو النجاح لا يمكن إدراكه إلا في إطار المجموع.