مصر والخطاب الوسطي

عمرو الليثى

عمرو الليثى

كاتب صحفي

في زمن تتزاحم فيه الأصوات، وتتنافس فيه المنصات، وتتشابك فيه الحقيقة مع الشائعة، أصبح الحديث عن الخطاب الوسطي في الثقافة والإعلام حديثاً عن أمن المجتمع الفكري، وعن سلامه الاجتماعي، وعن قدرة الدولة والمجتمع معاً على حماية الإنسان من التطرف، لا التطرف الديني فقط، بل التطرف في الرأي، وفي الموقف، وفي اللغة، وفي طريقة النظر إلى الآخر وإلى العالم.

فالخطاب الوسطي ليس مجرد عنوان جذاب يُرفع في المؤتمرات، ولا عبارة إنشائية تُردد في المناسبات، بل هو مشروع وعي متكامل، يقوم على الاعتدال، والعقل، والاتزان، واحترام الإنسان، وإعلاء قيمة المعرفة، والإيمان بأن الاختلاف سنة من سنن الحياة، وأن إدارة هذا الاختلاف بالحكمة والعدل والحوار هي جوهر التحضر الحقيقي.

والحديث عن الخطاب الوسطي يكتسب اليوم أهمية استثنائية لأننا نعيش عصراً غير مسبوق في سرعة تداول المعلومات، وفي سهولة صناعة التأثير، وفي قدرة أي فرد على أن يصبح صانعاً للمحتوى، ومصدراً للمعلومة، وموجّهاً للرأي العام، حتى وإن كان يفتقر إلى المعرفة أو المسئولية أو المهنية.

ومن هنا، لم يعد السؤال: هل نحتاج إلى خطاب وسطي؟ بل كيف نبني هذا الخطاب؟ وكيف نحميه؟ وكيف نجعله مؤثراً وجاذباً في مواجهة خطابات التشدد والكراهية والفوضى؟

■ الخطاب الوسطي:

لا يعني أبداً التمييع، ولا التفريط في الثوابت، ولا الوقوف في منطقة رمادية بين الحق والباطل. الوسطية هنا ليست حالة ضعف، بل هي حالة قوة واتزان؛ قوة في التمسك بالمبادئ، واتزان في عرضها، وحكمة في الدفاع عنها، وقدرة على التمييز بين الثابت والمتغير، وبين النصوص القطعية والاجتهادات البشرية، وبين الاختلاف المشروع والخلاف المذموم.

خطاب يرفض الإقصاء، ويرفض التكفير والتخوين، ويرفض تحويل الخلاف إلى معركة وجود، خطاب يفتح أبواب الحوار ولا يغلقها، ويبحث عن المشتركات قبل أن يتوقف عند الفوارق، ويؤمن بأن المجتمع لا يُبنى بالصراخ، ولا بالتحريض، ولا بإلغاء الآخر، وإنما يُبنى بالعدل والمعرفة والاحترام.

كما أن الوسطية ليست مفهوماً دينياً فقط، بل هي منهج حضاري شامل ينعكس في الثقافة والسياسة والتعليم والإعلام والفن، فالإنسان الوسطي ليس فقط من يعتدل في فهمه للدين، بل أيضاً من يعتدل في حكمه على الناس، وفي استهلاكه للمعلومات، وفي تعامله مع الخلاف، وفي مسئوليته تجاه وطنه ومجتمعه.

■ الخطاب الوسطي ضرورة لا رفاهية:

البديل عنه خطير هو خطاب الاستقطاب، وخطاب الكراهية، وخطاب المؤامرة، وخطاب التعميم، وخطاب السخرية من المختلف، وخطاب تقسيم المجتمع إلى معسكرات متصارعة.

لقد أثبتت تجارب السنوات الماضية أن المجتمعات لا تُهددها فقط الأزمات الاقتصادية أو الصراعات السياسية، بل يهددها أيضاً انهيار المعايير الفكرية والأخلاقية في المجال العام. حين يصبح السبّ رأياً، والتشهير بطولة، والشائعة خبراً، والضجيج تحليلاً، والجهل منصة، فإن المجتمع كله يدخل في دائرة من الاضطراب وفقدان البوصلة.

ومن هنا، فإن الخطاب الوسطي هو خط دفاع أول عن تماسك المجتمع، لأنه يخفف من حدة الاستقطاب، ويمنع انتقال الخلاف من المجال الفكري إلى الكراهية الاجتماعية، ويؤسس لفكرة أن الوطن يتسع للجميع، وأن الاختلاف لا يفسد الانتماء، وأن احترام الإنسان لا يتعارض مع الحزم في مواجهة الفكر المنحرف أو السلوك الهدام.

■ الثقافة.. الحاضنة الكبرى للخطاب الوسطي:

الثقافة تملك عمق التأثير، فالثقافة ليست مجرد نشاط نخبة، وليست رفاهية ذهنية، بل هي البنية العميقة التي تشكل وجدان المجتمع، وتؤثر في لغته، وذائقته، وخياله، وصورته عن نفسه وعن الآخر.

والخطاب الوسطي لا يمكن أن يعيش فقط في الخطب والبيانات، بل يحتاج إلى بيئة ثقافية حاضنة تصنعه وتغذيه وتحميه. وهذه البيئة تبدأ من الكتاب، والمسرح، والسينما، والرواية، والفنون التشكيلية، والأغنية، والندوة، والمكتبة، والمتحف، والجامعة، والمدرسة، وحتى من الحكاية الشعبية التي تتناقلها الأجيال.

فعندما تقدم الثقافة نماذج إنسانية متعددة، وتفتح الباب أمام النقاش الحر المسئول، وتعيد الاعتبار لقيم الجمال والعقل والتسامح، فإنها تسهم في بناء مواطن أقل قابلية للانجرار وراء التطرف أو الكراهية. أما حين تنكمش الثقافة، أو تُختزل في مناسبات شكلية، أو تُترك الساحة لخطابات الجهل والسطحية، فإن الفراغ سرعان ما تملؤه أصوات التشدد أو الفوضى.

إن الثقافة الوسطية هي التي تعلمنا أن الهوية ليست سجناً، بل مساحة انتماء مفتوحة على العالم. وهي التي تؤكد أن الاعتزاز بالتراث لا يعني العداء للحداثة، وأن الانفتاح على العالم لا يعني الذوبان فيه، وأن الحفاظ على القيم لا يعني محاربة الإبداع. ومن هنا تأتي أهمية المؤسسات الثقافية في إنتاج محتوى حقيقي يواجه الجمود والتطرف، لا بالشعارات، بل بالفكر والفن والمعرفة.

■ الإعلام.. القوة الأكثر تأثيراً في تشكيل الوعي:

الإعلام يملك قدرة هائلة على تشكيل المزاج العام يومياً. ولذلك فإن مسئوليته في ترسيخ الخطاب الوسطي مسئولية ضخمة، لأن الإعلام لم يعد مجرد ناقل للأخبار، بل أصبح صانعاً للسرديات، ومؤثراً في ترتيب الأولويات، وفي تعريف الناس بما يجب أن يغضبوا له أو يطمئنوا إليه أو يخافوا منه.

والإعلام الوسطي ليس إعلاماً بارداً أو بلا موقف، بل هو إعلام مهني ومسئول، ينحاز للحقيقة لا للإثارة، وللمصلحة العامة لا للتريند، وللوعي لا للفوضى. هو إعلام يراجع مصادره قبل أن ينشر، ويزن كلماته قبل أن يطلقها، ويُدرك أن عنواناً واحداً غير مسئول قد يشعل فتنة، وأن ضيفاً واحداً بلا ضوابط قد يفتح الباب أمام خطاب الكراهية أو الشائعات أو الهدم المعنوي للمجتمع.

فالإعلام الداعم للخطاب الوسطي يفسح المجال للرأي والرأي الآخر دون أن يساوي بين الحقيقة والزيف، يواجه الشائعة بالمعلومة الدقيقة، يقدم النماذج الإيجابية الملهمة بدلاً من تكريس السلبية والعدمية، يبتعد عن شيطنة المختلف أو السخرية من الفقراء أو التحريض على فئة اجتماعية أو فكرية، يربط الحرية بالمسئولية، والنقد بالمهنية، والاختلاف بالاحترام.

كما أن الإعلام الوسطي لا يكتفي برد الفعل، بل يصنع مبادرات وبرامج ومحتوى استباقياً يعزز قيم التعايش والانتماء والوعي، ويشرح القضايا المعقدة بلغة بسيطة، ويقرب المسافات بين المؤسسات والمواطنين، ويمنح الناس المعرفة لا الانفعال فقط.

■ الخطر الجديد.. منصات التواصل وخطاب الاستقطاب:

ربما يكون التحدي الأكبر أمام الخطاب الوسطي اليوم هو الفضاء الرقمي، حيث تتحول المعلومة في ثوانٍ إلى كرة نار، وحيث تُكافئ بعض المنصات المحتوى الأكثر إثارة لا الأكثر دقة، والأكثر صداماً لا الأكثر اتزاناً.

في هذا الفضاء، تنتشر المقاطع المبتورة، والعناوين المضللة، والاقتباسات خارج سياقها، والحسابات الوهمية، وحملات التشويه، والاصطفافات الحادة التي تدفع الناس إلى الاختيار بين معسكرين لا ثالث لهما. ومع الوقت، يصبح الاعتدال في نظر البعض ضعفاً، ويصبح التروّي تردداً، ويصبح الحوار تهاوناً، بينما يُكافأ الصراخ والاتهام والتخوين بالانتشار والتفاعل.

وهنا تكمن خطورة اللحظة: أن الخطاب المتطرف أو العدائي صار أحياناً أكثر جاذبية من الخطاب الرشيد، لأنه أسرع وأعلى صوتاً وأكثر إثارة للغرائز والانفعالات. ولذلك، فإن معركة الخطاب الوسطي في الإعلام والثقافة لم تعد فقط معركة مضمون، بل أصبحت أيضاً معركة أسلوب وتقديم ومنصات.

نحن بحاجة إلى خطاب وسطي حديث وجذاب وذكي، لا يكتفي بصحة الفكرة، بل يعرف كيف يقدمها، وكيف يصل بها إلى الشباب، وكيف ينافس في عالم الصورة القصيرة، والمنصة السريعة، والانتباه المحدود. فليس مقبولاً أن نترك الفضاء الرقمي لمن يجيد الصراخ فقط، بينما يكتفي أصحاب الخطاب الرشيد بالشكوى من تراجع الذوق العام.

■ كيف نبني خطاباً وسطياً مؤثراً؟

بناء الخطاب الوسطي لا يتم بقرار إداري أو بحملة إعلامية عابرة، بل يحتاج إلى استراتيجية شاملة تتكامل فيها أدوار المؤسسات الثقافية والإعلامية والتعليمية والدينية.

1- تجديد اللغة دون التفريط في المضمون: يجب أن نتحدث بلغة الناس، لا بلغة مغلقة أو متعالية. فالخطاب الوسطي لا بد أن يكون واضحاً وبسيطاً وعميقاً في الوقت نفسه، وأن يبتعد عن الجمل الإنشائية العامة التي لا تلامس الواقع.

2- الاستثمار في صناعة المحتوى: نحتاج إلى أفلام ومسلسلات ووثائقيات وبرامج ومنصات رقمية وبودكاست ومبادرات شبابية تقدم قيم الاعتدال والتسامح والانتماء في صورة إنسانية جذابة، لا في صورة دروس مباشرة جافة.

3- تدريب الإعلاميين والمثقفين: لا يمكن أن نطالب بخطاب وسطي بينما نترك المجال لغير المؤهلين أو لمن يتعاملون مع المنصات بمنطق الإثارة فقط. هناك حاجة حقيقية إلى التدريب على أخلاقيات المهنة، وإدارة الحوار، والتحقق من المعلومات، وفهم أثر الكلمة في المجال العام.

4- تعزيز التربية الإعلامية والثقافية: المواطن نفسه يجب أن يمتلك أدوات التمييز بين الخبر والشائعة، وبين الرأي والتحريض، وبين النقد والتشهير. وهذا يبدأ من المدرسة والجامعة والأسرة، ولا يقتصر على المؤسسات الإعلامية.

5- بناء مساحات حوار حقيقية: الخطاب الوسطي لا يزدهر في مناخ الإقصاء، بل في مناخ الحوار المنضبط. نحن بحاجة إلى منصات تجمع المختلفين تحت سقف الاحترام، وتسمح بالنقاش دون تجريح، وتؤهب لثقافة الاستماع لا لثقافة المقاطعة والصدام.

6- ربط الخطاب بالواقع: لا قيمة لأي خطاب مهما كان جميلاً إذا انفصل عن هموم الناس. الخطاب الوسطي الحقيقي هو الذي يتحدث عن التعليم، والعدالة، والفرص، والكرامة، ومكافحة الفقر، واحترام المرأة، وحماية الطفل، وتمكين الشباب، باعتبارها كلها قضايا وعي واستقرار وبناء مجتمع.

■ مصر والرهان على الوسطية:

مصر ليست جديدة على فكرة الوسطية؛ فهذه الأرض عرفت عبر تاريخها التعدد والتسامح والتفاعل بين الثقافات، وكانت دائماً قادرة على إنتاج نموذج حضاري يقوم على الاعتدال، لا على الغلو. ولهذا، فإن مسئولية المؤسسات المصرية الثقافية والإعلامية اليوم مضاعفة، لأن المطلوب ليس فقط الدفاع عن المجتمع من الأفكار المتطرفة، بل أيضاً تجديد الشخصية المصرية نفسها في مواجهة موجات التشويه والإحباط والتشدد والسطحية.

إن الدولة يمكنها أن تضع السياسات، والمؤسسات يمكنها أن تنظم المبادرات، لكن الرهان الحقيقي يبقى على الإنسان: على وعيه، وعلى ذائقته، وعلى قدرته على التمييز بين من يبنيه ومن يستغله، بين من يفتح له أفقاً ومن يدفعه إلى الكراهية أو العدمية أو الانغلاق.

■ في الختام فإن الخطاب الوسطي في الثقافة والإعلام ليس رفاهية فكرية، ولا عنواناً للاستهلاك المناسباتي، بل هو شرط من شروط الاستقرار، وأداة من أدوات حماية المجتمع، وجسر لا غنى عنه لبناء الإنسان القادر على الفهم والاختيار والمشاركة.

نحن لا نحتاج خطاباً يكتفي بإدانة التطرف بعد وقوعه، بل نحتاج خطاباً يصنع المناعة ضده قبل أن يتمدد. نحتاج ثقافة تحيي العقل والخيال والضمير، وإعلاماً يحترم الناس فلا يضللهم، ويختلف معهم فلا يحتقرهم، ويناقشهم فلا يحرّض عليهم.

فالوسطية ليست موقفاً بين طرفين فحسب، بل هي فلسفة بناء: بناء إنسان متوازن، ومجتمع متماسك، ودولة واثقة من نفسها، تعرف أن معركة المستقبل لن تُحسم فقط بالاقتصاد أو السياسة، بل أيضاً بما يُقال للناس، وكيف يُقال، ومن يقوله، ولأي غاية.

ولهذا يبقى الخطاب الوسطي، في الثقافة كما في الإعلام، واحداً من أهم مفاتيح النجاة في هذا العصر؛ لأنه ببساطة خطاب يحمي العقل من الفوضى، ويحمي المجتمع من الانقسام، ويحمي الوطن من أن تسرقه الأصوات الأعلى ضجيجاً والأقل حكمة.