ليس مجرد كرة قدم.. كيف تُحوّل استضافة كأس العالم الدول إلى قوة اقتصادية وسياحية؟

كتب: أسماء زايد

ليس مجرد كرة قدم.. كيف تُحوّل استضافة كأس العالم الدول إلى قوة اقتصادية وسياحية؟

ليس مجرد كرة قدم.. كيف تُحوّل استضافة كأس العالم الدول إلى قوة اقتصادية وسياحية؟

أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تحليلا جديدا تناول من خلاله الأبعاد الاقتصادية لبطولة كأس العالم، من خلال استعراض مسار تحول البطولة إلى قوة اقتصادية عالمية، وتحليل إيراداتها، والقطاعات الرابحة منها، فضلًا عن تحديد المسؤول عن تحمل العبء المالي الفعلي لتنظيمها، مشيرا إلى أن كأس العالم لم يعُد مجرد بطولة رياضية تُقاس أهميتها بعدد الأهداف أو المنتخبات المشاركة، بل أصبحت حدثًا اقتصاديًا عالميًا تتداخل فيه مصالح الحكومات والشركات والمؤسسات المالية.

عوائد اقتصادية من بطولة كأس العالم

وقال التحليل الصادر من مركز معلومت الوزراء، إنّه مع كل نسخة جديدة تتجدد التوقعات بشأن ما يمكن أن تحققه البطولة من عوائد اقتصادية، سواء من خلال تنشيط السياحة، أو تحفيز الاستثمار، أو تسريع مشروعات البنية التحتية، الأمر الذي جعل استضافتها هدفًا استراتيجيًا تتنافس عليه الدول سعيًا إلى تعزيز مكانتها الدولية وتحقيق أهداف تنموية واسعة النطاق. وتكشف التجارب الدولية أن العلاقة بين استضافة كأس العالم وتحقيق المكاسب الاقتصادية أكثر تعقيدًا مما توحي به التقديرات الأولية، وأن حجم الفوائد المتحققة يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة الدولة المضيفة على توظيف الفرص التي يتيحها الحدث.

بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026

وفيما يتعلق بتحولها من حدث رياضي إلى قوة اقتصادية عالمية، أشار مركز المعلومات إلى أن بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026 تكتسب أهمية استثنائية باعتبارها أكبر نسخة في تاريخ البطولات؛ حيث تُقام للمرة الأولى بصورة مشتركة بين 3 دول وهي: الولايات المتحدة الأمريكية، والمكسيك، وكندا، وتشهد مشاركة 48 منتخبًا يتنافسون في 16 مدينة مستضيفة في توسع غير مسبوق يعكس النمو المتواصل لهذا الحدث العالمي.

وتُشير تقديرات الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) إلى إمكانية تحقيق آثار اقتصادية واسعة، تتمثل في تحسين الناتج المحلي الإجمالي العالمي، فضلًا عن المساهمة في توفير ما يقارب من 824 ألف فرصة عمل بصورة مباشرة وغير مباشرة، من خلال الأنشطة الاقتصادية والقطاعات المرتبطة بتنظيم البطولة واستضافتها.

وعن إيرادات بطولات كأس العالم للاتحاد الدولي لكرة القدم، فقد ارتفعت إيرادات الاتحاد الدولي لكرة القدم بنسبة 18% بين بطولة كأس العالم 2018 في روسيا وبطولة كأس العالم 2022 في قطر، لتصل إلى 7.5 مليار دولار أمريكي. كما يشير أحدث تقرير للاتحاد الدولي لكرة القدم إلى أن إيرادات الدورة الممتدة لأربع سنوات (2023 - 2026) من المتوقع أن تبلغ نحو 13 مليار دولار، مقارنةً بنحو 7.5 مليار دولار خلال الدورة السابقة، بما يمثل زيادة قدرها 73%.

كأس العالم

منصات التواصل الاجتماعي

أشار التحليل إلى أن ارتفاع عدد مباريات البطولة الحالية من 64 مباراة إلى 104 مباريات، أتاح للاتحاد حجمًا هائلًا من المحتوى الرياضي القابل للتسويق والبيع لشبكات البث التلفزيوني. كما أن مواعيد إقامة المباريات في البطولة الحالية أصبحت أكثر ملاءمة للأسواق الإعلامية الأعلى ربحية في كل من أمريكا الشمالية وأوروبا مقارنةً بنسخ سابقة، فضلًا عن تبني الاتحاد الدولي لكرة القدم مجموعة من الابتكارات التجارية المهمة التي عززت مصادر دخلها، من أبرزها: توظيف منصات التواصل الاجتماعي كمصدر لزيادة الإيرادات من خلال بيع حقوق البث المباشر للدقائق العشر الأولى من المباريات عبر منصتي (TikTok) و(YouTube)، في خطوة تستهدف جذب الجماهير الأصغر سنًا وتحفيزهم على متابعة التغطية الكاملة للبطولة.

كما تأتي إيرادات بيع التذاكر وخدمات الضيافة في المرتبة الثانية بعد حقوق البث، مُسجلة نحو 3 مليارات دولار أمريكي، مقارنةً بنحو 950 مليون دولار أمريكي سجلتها خلال بطولة كأس العالم في قطر 2022؛ مما يجعلها أحد أبرز المحركات الرئيسية للنمو في النسخة الحالية من البطولة. كما استفاد الاتحاد الدولي لكرة القدم من الطلب الهائل من الشركاء التجاريين والجهات الراعية، والذي سيسجل رقمًا قياسيًا قدره 2.7 مليار دولار، بالإضافة إلى 670 مليون دولار من اتفاقيات الترخيص التجاري المتعلقة باستخدام العلامة التجارية للبطولة وتسويق منتجاتها الرسمية.

القطاعات الاقتصادية الأكثر استفادة من استضافة بطولات كأس العالم

وفيما يتعلق بالقطاعات الاقتصادية الأكثر استفادة من استضافة بطولات كأس العالم، أوضح التحليل أن أبرز هذه القطاعات تتمثل في:

1- السياحة:

- تُمثل السياحة المحرك الرئيسى للعوائد الاقتصادية المباشرة الناجمة عن استضافة كأس العالم؛ حيث يؤدي تدفق الزوار الدوليين إلى زيادة الطلب على خدمات الإقامة والنقل والمطاعم والتسوق والأنشطة الترفيهية المختلفة؛ مما يخلق نشاطًا اقتصاديًا واسع النطاق، يشمل قطاعات متعددة في الاقتصاد المحلي للدولة المستضيفة.

- وعلى صعيد كأس العالم لكرة القدم 2022، استقبلت قطر نحو مليون زائر خلال فترة البطولة، بينما أقام ما يقرب من 300 ألف زائر في دول مجاورة واعتمدوا على رحلات جوية للتنقل إلى قطر لحضور المباريات. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الإمارات، ولا سيما مدينة دبي، استقطبت ما يقارب 80% من إجمالي مشجعي البطولة الذين فضلوا الإقامة في دول أخرى ضمن مجلس التعاون الخليجي؛ مما أسهم في توسيع نطاق المكاسب السياحية لتتجاوز حدود الدولة المستضيفة.

- تشير التقديرات الخاصة ببطولة 2026 إلى إمكانية استقبال أكثر من 13.1 مليون زائر، وتسجيل ما يزيد على 21.3 مليون ليلة فندقية في الدول المستضيفة.

2- البنية التحتية:

- تُمثل مشروعات البنية التحتية أحد أبرز الأبعاد الاقتصادية المرتبطة باستضافة البطولات الرياضية الكبرى؛ حيث تُشكل هذه الأحداث حافزًا للحكومات لتسريع تنفيذ مشروعات استراتيجية في مجالات النقل والمطارات وشبكات الاتصالات والمرافق الحضرية، بما يُسهم في تعزيز جاهزية المدن وتحسين كفاءة الخدمات العامة.

- على سبيل المثال، في السنوات التي سبقت كأس العالم لكرة القدم 2022، نفذت دولة قطر برنامجًا استثماريًا واسع النطاق قُدرت قيمته بما يتراوح بين 200 و300 مليار دولار، أسهم بصورة جلية في إعادة تشكيل المشهد العمراني والاقتصادي في الدولة.

تجدر الإشارة إلى أن جزءًا كبيرًا من الإنفاق على البنية التحتية المرتبط بكأس العالم صُنف ضمن خطة وطنية شاملة تهدف إلى بناء مركز إقليمي للابتكار، وشملت تطوير الفنادق وشبكات النقل الحديثة ومترو الأنفاق والملاعب والسكك الحديدية والموانئ والمطارات. وفي هذا السياق، بلغت تكلفة إنشاء الملاعب المخصصة للبطولة نحو 6.5 مليار دولار، وهو ما يمثل نسبة محدودة من إجمالي الاستثمارات التي نُفذت في إطار برنامج التنمية الشامل للدولة.

3- الشركات الكبرى:

يتمثل المستفيد الاقتصادي الأكبر من البطولات في شركات الطيران والفنادق ومنصات الحجز الإلكتروني وشركات الملابس الرياضية وشبكات البث والإعلان؛ حيث تستفيد هذه الشركات من الارتفاع الهائل في الطلب والاستهلاك خلال فترة البطولة. كما تستفيد الشركات الراعية من الوصول إلى جمهور عالمي يقدر بمليارات المشاهدات، وهو ما يجعل كأس العالم واحدًا من أكثر الأصول التسويقية قيمة عالميًّا.

أشار التحليل إلى أن التحليلات التاريخية لبطولات كأس العالم لكرة القدم تكشف عن نمط متكرر يتمثل في تجاوز التكاليف الفعلية للتقديرات الأولية بصورة شبه دائمة.

وأكد التحليل في ختامه أن كأس العالم لم تعُد مجرد بطولة رياضية تُقاس نجاحاتها بنتائج المباريات، بل أصبحت حدثا اقتصاديا تنمويا عالميا تتشابك فيه مصالح الحكومات والشركات والمؤسسات الاستثمارية. ورغم ما توفره البطولة من فرص استثنائية لتعزيز السياحة وجذب الاستثمارات وتسريع تطوير البنية التحتية وترسيخ الحضور الدولي للدول المستضيفة، فإن حجم المكاسب المتحققة لا يرتبط بالحدث ذاته بقدر ارتباطه بقدرة الدول على توظيفه ضمن رؤية تنموية طويلة الأجل تضمن استدامة العوائد بعد انتهاء البطولة.